من صرّحت له العبر عمّا بين يديه من المثلات حجزه التقوى عن تقحّم الشبهات ، وبيان الملازمة أنّ من أخذت العناية بزمام عقله فأعدّت نور بصيرته لمشاهدة ما صرّحت به آفات الدنيا ، وكشفت عبرها من تبدّل حالاتها وتغيّراتها على من أوقف عليها همّه وأتخذها دار الإقامة فشاهد أنّ كلّ ذلك أمور باطلة وأطلال زائلة ، فلا بدّ أن يفيض اللَّه على قلبه صورة خشيته وتقواه فتستلزم تلك الخشية توقّفه وامتناعه عن أن يلقى نفسه في تلك الأمور الزائلة والشبهات الباطلة لإشراق نور الحقّ الواضح على لوح نفسه بالاعتبار ، فالتقوى اللازم له هو الحاجز عن ذلك التقحّم ، وأشار بالشبهات إلى ما يتوهّم كونه حقّا ثابتا باقيا من الأمور الفانية الزائلة واللذّات الدنيويّة الباطلة فالوهم يصوّرها ويشبّهها بالحقّ فلذلك سمّيت شبهات ، والعقل الخارج من أسر الهوى قوّى على نقد الحقّ وتمييزه عن الشبهة ، وأكَّد هذه الملازمة برهن ذمّته على صحّتها وكفالته بصدقها ، وذلك قوله ذمّتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم واستعمال الرهن استعارة كقوله تعالى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ واعلم أنّه ربّما التبس عليك حقيقة التقوى ، فنقول : التقوى بحسب العرف الشرعيّ يعود إلى خشية الحقّ سبحانه المستلزم للإعراض عن كلّ ما يوجب الالتفات عنه من متاع الدنيا وزينتها وتنحية مادون وجهه عن جهة القصد ، ولمّا كان الترك والإعراض المذكور هو الزهد الحقّيقي كما علمت ، وكان التقوى وسيلة إليه علمت أنّه من أقوى الجواذب إلى اللَّه الرادعة عن الالتفات إلى ما سواه وقد ورد التقوى بمعنى الخشية من اللَّه تعالى في أوّل النساء يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ومثله في أوّل الحجّ ، وفي الشعراء إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ » وكذلك قول هود وصالح ولوط وشعيب لقومهم ، وفي العنكبوت وإبراهيم إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا الله واتَّقُوهُ وقوله اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِهِ وقوله وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وكذلك في سائر آيات القرآن وإن كان قد حمله بعض المفسّرين تارة على الإيمان كما في قوله تعالى « وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى » وتارة على التوبة كما في قوله « وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا واتَّقَوْا » وتارة على ترك المعصية كما في قوله « واتو البيوت من أبوابها واتقوا الله » وإذا عرفت ذلك فاعلم أنّه لمّا نبّههم على لزوم التقوى وأنّه مخلص من تقحّم الشبهات نبّههم بعده على أنّهم في الشبهات مغمورون بقوله ألا وإنّ بليّتكم قد عادت
شرح نهج البلاغة — صفحة 299
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٩٩