تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
كهيئتها يوم بعث اللَّه نبيّه ، وأشار ببليّتهم إلى ما هم عليه من اختلاف الأهواء وتشتّت الآراء وعدم الألفة والاجتماع في نصرة اللَّه عن شبهات يلقيها الشيطان على الأذهان القابلة لوسوسته المقهورة في يده . وذلك من أعظم الفتن الَّتي بها يبتلى اللَّه عباده « وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً وإِلَيْنا تُرْجَعُونَ » وهي أمور تشبه ما كان الناس عليه حال بعثة الرسول صلى اللَّه عليه وآله وفي ذلك تنبيه لهم على أنّهم ليسوا من تقوى اللَّه في شيء إذ عرفت أنّ مجانبة الشبهة من لوازم التقوى فكان وقوعهم فيها مستلزما لسلب التقوى عنهم ثمّ لمّا بيّن وقوعهم في البليّة كما كانت أقسم بالقسم البارّ لينزلنّ بهم ثمرة ما هم فيه من عدم التناصر واتّباع الأهواء الباطلة وذكر أمورا ثلاثة : أحدها البلبلة وكنّى بها عمّا يوقع بنو أميّة وغيرهم من أمراء الجور من الهموم المزعجة وخلط بعضهم ببعض ورفع أراذلهم وحطَّ أكابرهم عمّا يستحقّ كلّ من المراتب . الثاني الغربلة وكأنّها كناية عن التقاط آحادهم وقصدهم بالأذى والقتل كما فعل بكثير من الصحابة والتابعين وفي ذلك تشبيه لفعلهم ذلك بغربلة الدقيق ونحوه لتمييز شيء منه عن شيء ولذلك استعير له لفظها وفي هذين القرينتين السجع المتوازي . الثالث أن تساطوا كما تساط القدر إلى أن يعود أسفلهم أعلاهم وبالعكس واستعار لفظ السوط هاهنا مع غايته المذكورة لتصريف أئمّة الجور لهم ممّن يأتي بعده بسائر أسباب الإهانة وتغيير القواعد عليها في ذلك الوقت وهو قريب من الأوّل . قوله وليسبقنّ سابقون كانوا قصّروا وليقصّرنّ سبّاقون كانوا سبقوا إشارة إلى بعض نتائج تقلَّب الزمان بهم قال بعض الشارحين : إنّه أشار بالمقصّرين الَّذين يسبقون إلى قوم قصّروا عن نصرته في مبدء الأمر حين وفاة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله ثمّ نصروه في ولايته وقاتلوا معه في سائر حروبه وبالسابقين الَّذين يقصّرون إلى من كانت له في الإسلام سابقة ثمّ يخذله وينحرف عنه ويقاتله ويشبه أن يكون مراده أعمّ من ذلك فالمقصّرون الَّذين يسبقون كلّ من أخذت العناية الإلهيّة بيده وقاده زمام التوفيق إلى الجدّ في طاعة اللَّه واتّباع سائر أوامره والوقوف عند نواهيه وزواجره بعد تقصيره في ذلك ، وعكس هؤلاء من كان في مبدء الأمر مشمرا في سلوك سبيل اللَّه ثمّ جذبه هواه إلى غير ما كان عليه وسلك به الشيطان مسالكه فاستبدل بسبقه في الدين تقصيرا وانحرافا عنه . قوله واللَّه ما كتمت وشمة ولا كذبت كذبة