تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
أَرْضُكُمْ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمَاءِ بَعِيدَةٌ مِنَ السَّمَاءِ - خَفَّتْ عُقُولُكُمْ وسَفِهَتْ حُلُومُكُمْ - فَأَنْتُمْ غَرَضٌ لِنَابِلٍ وأُكْلَةٌ لِآكِلٍ وفَرِيسَةٌ لِصَائِلٍ أقول : السفه رذيلة تقابل الحلم وتعود إلى الطيش وعدم الثبات ، والاكلة اسم للمأكول ، وقد علمت أنّ قوله أرضكم قريبة من الماء بعيدة من السماء ممّا حكاه عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله في الفصل المتقدّم أمّا قرب أرضهم من الماء فإشارة إلى أنّها موضعها بط مستقل من الأرض وقريب من البحر فهو بصدد أن يعلوها بملاقاة دجلة وذلك مشاهد في دخول الماء حدائقهم وسقيه بساتينهم في كلّ يوم مرّة أو مرّتين ، أمّا كونها بعيدة من السماء فبحسب استفالها عن غيرها من الأرض ، وقيل إنّ من أبعد موضع في الأرض عن السماء الابلَّة ، وأنّ ذلك مما دلَّت عليه الأرصاد وبرهن عليه أصحاب علم الهيئة ، وقال بعضهم : إنّ كون ذلك في معرض الذّم يصرفه عن مظاهره وإنّما الإشارة إلى أنّهم لمّا كانوا بالأوصاف المذمومة الَّتي عددها فيهم كانوا بعداء عن نزول الرحمة عليهم من سماء الجود الإلهيّ مستعدّين لنزول العذاب ، ويصدق في العرف أن يقال فلان بعيد من السماء إذا كان كما ذكرناه ، قوله خفّت عقولكم إشارة إلى قلَّة استعدادهم لدرك وجوه المصالح وضعف عقولهم عن تدبير أحوالهم وتسرّعهم إلى مالا ينبغي لغفلتهم عمّا ينبغي وهو وصف لهم برذيلة الغباوة ، قوله وسفهت حلومكم إشارة إلى وصفهم برذيلة السفه والخفّة المقابلة للحلم ، قوله فأنتم غرض لنابل واكلة لآكل وفريسة لصائل هذه الأوصاف الثلاثة لازمة عن خفّة عقولهم وسفه حلومهم ولذلك عقّبها بها لأنّ طمع القاصد لهم بأنواع الأذى إنّما ينشأ من العلم بقلَّة عقليّتهم لوجوه المصالح وسفههم فيقصدهم بحسن تدبيره ، والأوّل من هذه الأوصاف كناية عن كونهم مقصدا لمن يريد أذاهم ، والثاني كناية عن كونهم في معرض أن يطمع في أموالهم ونعمتهم ويأكلها من يقصد أكلها ، والثالث عن كونهم بصدد أن يفترسهم من يقصد قتلهم وإهلاكهم ، واستعار لفظ الغرض والاكلة والفريسة لهم ، ووجوه المشابهة فيها ظاهرة . وقد راعى في هذه القرائن السجع ففي الأوليين السجع المطرّف وفي الأخريين بعدهما والثلاث السجع المتوازي .
شرح نهج البلاغة — صفحة 294 | ابن ميثم البحراني