تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧

أقول : الناجذ السن بين الناب والضرس ، وقال الجوهري : هو أقصى الأضراس ، وقيل الأضراس كلَّها نواجذ ، واعلم أنّه عليه السّلام أشار في هذا الفصل إلى أنواع آداب الحرب وكيفيّة القتال ، فنهاه أوّلا عن الزوال وأكَّد عليه ذلك بقوله تزول الجبال ولا تزل ، والكلام في صورة شرطيّة متّصلة محرّفة تقديرها لو زالت الجبال لا تزل وهو نهي عن الزوال مطلقا لأنّ النهى عنه على تقدير زوال الجبال مستلزم للنهي عنه على تقدير آخر بطريق الأولى إذ القصد به المبالغة في النهي ، ثمّ أردف ذلك بخمسة أوامر : أحدها أن يعضّ على ناجذه وذلك لاستلزامه أمرين : أحدهما ربط الجأش عن الفشل والخوف ، والإنسان يشاهد ذلك في حال البرد والخوف الموجبين للرعدة فإنّه إذ عضّ على أضراسه تسكن رعدته ويتمالك بدنه . الثاني أنّ الضرب مع ذلك في الرأس لا يؤثّر كثير ضرر كما قاله عليه السّلام في مواضع أخر وعضوّ للنواجذ فإنّه أبنا للسيوف عن الهام ، وكان ذلك لما فيه من جمع القوّة والتصلَّب . الثاني أن يعير اللَّه جمجمته وهي استعارة لطيفة وتشبيه لجمجمته بالآلة التي تستعار للانتفاع بها ثمّ ترّد ، فانتفاع دين اللَّه وحزبه بمحمّد - رضى اللَّه عنه - على هذا الوجه يشبه للانتفاع بالعارية . قال بعض الشارحين : وفي ذلك تنبيه لمحمّد - رضى اللَّه عنه - على أنّه لا يقتل في ذلك الحرب إذ ما أعير اللَّه لابد من رده بكمال السلامة ، وفيه تثبيت لجأشه وربط لقلبه - الثالث أن يلزم قدمه الأرض . ويجعلها كالوتد وذلك لاستلزام أمرين : أحدهما ربط الجأش واستصحاب العزم على القتال . الثاني أنّ ذلك مظنّة الشجاعة والصبر على المكاره فيكون من موجبات انفعال العدوّ وانقهاره . الرابع أن يرمى ببصره أقصى القوم وذلك ليعلم على ما ذا يقدم ولينظر مخاتل المخاتل ومقاتل المقاتل . الخامس أن يغضّ بصره بعد مدّة وذلك لكونه علامة السكينة والثبات وعدم الطيش ، ولأنّ مدّ النظر إلى بريق السيوف مظنّة الرهبة ، وربما خيف على البصر أيضا ، والنظر المحمود في الحرب أن يلحظ شزرا فعل الحنق المترصّد للفرصة كما قال عليه السّلام في غير هذا الموضع ولاحظوا الشزر . ثمّ لمّا نبّه بهذه الأوامر الخمسة أمره أن يعلم أنّ النصر من عند اللَّه كما قال « وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ » ( 1 ) ليتأكَّد ثباته بثقته باللَّه عنه ملاحظة قوله تعالى إِنْ تَنْصُرُوا الله يَنْصُرْكُمْ و

هامش
( 1 ) 3 - 122