كأنّي أنظر إلى قريتكم هذه وقد طبّقها الماء حتّى ما يرى منها إلَّا شرف المسجد كأنّه جؤجؤ طير في لجّة بحر فقام إليه الأحنف بن قيس فقال : يا أمير المؤمنين متى ذاك فقال إذا صارت أجمتكم قصورا ، واعلم أنّ بعد هذا الفصل من الخطبة فصول لا تعلَّق لها بهذا الموضع وربّما تعلَّقت بفصول أوردها السيّد بعد هذا الفصل وسنذكرها معها إنشاء اللَّه .
أصل البصرة الحجارة البيض الرخوة ، وصارت علما للبلدة لوجدان تلك الحجارة بها . قيل إنّها بالمربد كثيرة ، وائتفكت البلدة بأهلها انقلبت بهم ، والمؤتفكة من الأسماء القديمة للبصرة كما سنذكره في تمام هذه الخطبة ، والرغا صوت الإبل خاصّة ، والعقر الجرح ، والدّق من كلّ شيء حقيره وصغيره ، والشقاق الخلاف والافتراق ، والنفاق الخروج من الإيمان بالقلب وأصله أنّ اليربوع يرقق موضعا من الأرض من داخل جحره فإذا أوتي من قبل بابه وهو القاصعاء ضرب ذلك الموضع برأسه فاتفق أي خرج ، ويسمّى ذلك النافقاء فاشتقّ لفظ النفاق منه والرغاق المالح ، وطبّقها الماء أي عمّا وأتى على جميعها وجؤجؤ السفينة صدرها وكذلك الطائر ،
واعلم أنّه عليه السّلام ذكر في معرض ذمّهم أمورا نبّه فيها على وجوه ارتكابهم الزلل ، أوّلها كونهم أهل المؤتفكة ائتفكت أهلها ثلاثا ومعلوم أنّه ائتفاك البلد بأهلها وخسفها بهم إنّما يكون لفسادهم واستحقاقهم بذلك عذاب اللَّه ، وقوله وعلى اللَّه تمام الرابعة دعاء عليهم بايقاع الخسف بهم . الثاني كونهم جند المرأة وأراد عايشة فإنّهم جعلوها عقد نظامهم ، ولمّا كانت قول النساء وآراؤهنّ أمورا مذمومة بين العرب وسائر العقلاء لضعف آرائهنّ ونقصان عقولهنّ كما قال الرسول صلى اللَّه عليه وآله : إنّهنّ ناقصات العقول ناقصات الدين ناقصات الحظَّ أمّا نقصان عقولهنّ فلأنّ شهادة ثنتين منهنّ بشهادة رجل واحد لتذكَّر إحداهما الأخرى ، وأمّا نقصان دينهنّ فلأنّ إحديهنّ تقعد في بيتها شطرد هرها أي في أيّام حيضها لا تصوم ولا تصلَّى ، وأمّا نقصان حظَّهنّ فلأنّ ميراثهنّ على النصف من ميراث الرجال ، وكان مع ذلك مستشيرهنّ وبايعهنّ أضعف رأيا منهنّ كما هو شأن التابع بالنسبة إلى متبوعه لا جرم حسن توبيخه لهم بكونهم جندا وأعوانا . الثالث كونهم اتباع البهيمة وأراد بالبهيمة الجمل الَّذي كان تحت عايشة فإنّ حالهم شاهدة باتّباعه مجيبين لرغائه وهاربين لعقره ، وهو أشنع من الأوّل وأدخل في الذمّ ، وكنّى برغائه عن دعوتها لهم إلى القتال إذ قدمت
شرح نهج البلاغة — صفحة 290
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٩٠