فيما يلبس به من الحقّ من الشبه الباطلة على البصائر الضعيفة فيعميها بذلك عن إدراكه وتمييزه من الباطل سواء كانت مخادعة الشيطان وتلبيسه بغير واسطة ، وهو المشار إليه بقوله وما لبّست على نفسي أي لا يلتبس على نفسي المطمئنّة ما يلقيه إليها نفسي الأمّارة أو بواسطة وهو المشار إليها بقوله ولا لبّس عليّ أي إنّ أحدا ممّن تبع إبليس وتلقف عنه الشبه وصار في قوّة أن يلبّس الحقّ صورة الباطل لا يمكنه أن يلبّس علىّ ، وأمّا الثالث فأشار إليه بقوله وأيم اللَّه لا أفرطنّ لهم حوضا أنا ماتحه إلى آخره ، واستعار إفراط الحوض لجمعه الجند وتهيّئه أسباب الحرب ، وكنّى بقوله أنا ماتحه أنّه هو المتولَّي لذلك ، ولمّا كانت الحرب قد يشبه بالبحر وبالماء الجمّ فيستعار لها أوصافه فيقال فلان خوّاص غمرات وفلان منغمس في الحرب جاز أن يستعار هاهنا لفظ الحوض وترشح تلك الاستعارة بالمتح والفرط والإصدار والإيراد ، وفي تخصيص نفسه بالمتح تأكيد تهديد لعلمهم بداسه ( ببأسه خ م ) وشجاعته وقد حذف المضاف إليه ماتح في الحقيقة ، وتقديره أنّه ماتح ماؤه إذ الحوض لا يوصف بالمتح ثمّ أردف ذلك بوصف استعداد لهم بالشدّة والصعوبة عليهم فكنّى بقوله لا يصدرون عنه عن أنّ الوارد منهم إليه لا ينجو منه فهو بمنزلة من يغرق منه فلا يصدر عنه ويقول ولا يعودون إليه أي إنّ من نجا منهم لا يطمع في الحرب مرّة أخرى فلا يردّون إلى ما أعدّ لهم مرّة ثانية وأكَّد ذلك الوعيد بالقسم البارّ ، وأصل أيم أيمن جمع يمين حذف النون تخفيفا كما حذفت في لم يك ، وقيل هو اسم برأسه وضع للقسم وتحقيقه في مسائل النحو .
11 - ومن كلام له عليه السّلام لابنه محمد بن الحنفية لما أعطاه الراية يوم الجمل
تَزُولُ الْجِبَالُ ولَا تَزُلْ - عَضَّ عَلَى نَاجِذِكَ أَعِرِ اللَّهَ جُمْجُمَتَكَ - تِدْ فِي الأَرْضِ قَدَمَكَ - ارْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى الْقَوْمِ وغُضَّ بَصَرَكَ - واعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ
شرح نهج البلاغة — صفحة 286
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٨٦