الحكم مائة ألف دينار ويروي خمس إفريقيّة ، وثالثها روي من عدّة طرق أن أبا موسى الأشعريّ بعث إليه بمال عظيم من البصرة فجعل يفرّقه في ولده وأهله وكان ذلك بحضرة زياد بن عبيد مولى حرث بن كلاة الثقفيّ فبكى زياد لما رأى فقال له : لا تبك فإنّ عمر كان يمنع قرابته ابتغاء وجه اللَّه وأنا أعطي أهلي وقرابتي ابتغاء وجه اللَّه ، ورابعها روي أنّه ولَّى الحكم بن أبي العاص صدقات قضاعة فبلغت ثلاث مائة ألف فوهبها له حين أتاه بها ، وخامسها روى أبو مخنف أنّ عبد اللَّه بن خالد بن أسيد قدم على عثمان من مكَّة ومعه ناس فأمر لعبد اللَّه بثلاث مائة ألف ولكلّ واحد منهم بمائة ألف وصكّ بذلك على عبد اللَّه بن الأرقم وكان حينئذ خازن بيت المال فاستكثر ذلك وردّ الصكّ فقال له عثمان : ما حملك على ردّه وإنّما أنت خازن قال : كنت أرابي بيت مال المسلمين وإنّما خازنك غلامك وأنّه لا ألي لك بيت المال أبدا ، وجاء بالمفاتيح فعلَّقها على المنبر فدفعها عثمان إلى مولاه نائل ، وروى الواقدي أنّ عثمان أمر زيد بن ثابت أن يحمل من بيت المال إلى عبد اللَّه بن أرقم عقيب ما فعل ثلاث مائة ألف درهم فلمّا دخل عليه بها قال له : يا أبا محمّد إنّ أمير المؤمنين أرسل إليك يقول إنّا شغلناك عن التجارة ولك ذوو رحم أهل حاجة ففرّق هذا المال فيهم واستغن به على عيالك ، فقال عبد اللَّه : ما لي إليك حاجة ، وما عملت لأن يثيبني عثمان فإن كان هذا من بيت المال لما بلغ قدر عملي أن أعطى ثلاث مأئة ألف درهم ، وإن كان من ماله فلا حاجة لي به ، وبالجملة فمواهبه لأهله وذويه مشهورة ، وقد شبّه عليه السّلام خضمهم لمال اللَّه بخضم الإبل نبت الربيع ، ووجه التشبيه أنّ الإبل لمّا كانت تستلذّ نبت الربيع بشهوة صادقة وتملأ منه أحناكها ، وذلك لمجيئه عقيب يبس الأرض وطول مدّة الشتاء ، ومع ذلك طيبه ونضارته ، كان ما أكله أقارب عثمان من بيت المال مشبّها لذلك من جهة كثرته وطيبه لهم عقيب ضرّهم وفقرهم ، وكلّ ذلك في معرض الذّم والتوبيخ المستلزم لارتكاب مناهي اللَّه المستلزم لعدم التأهّل لأمر الخلافة .
قوله إلى انتكث عليه فتله وأجهز عليه عمله وكبت به بطنته . إشارة إلى غايات من قيامه في الحال المذكورة واستعار لفظ الفتل وهو برم الحبل لما كان يبرمه من الرأي والتدبير ويستبدّ به دون الصحابة وكنّى به عنه ، وكذلك لفظ الانتكاث لانتقاض ذلك التدابير ورجوعها
شرح نهج البلاغة — صفحة 263
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٦٣