تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
حتّى خرم أنفها ، وهو من التشبيهات اللطيفة ، وقيل : أراد بصاحبها نفسه وتشبّه براكب الصعبة لأنّه أيضا بين خطرين إمّا أن يبقى ساكتا عن طلب هذا الأمر والقيام فيتقحّم بذلك في موارد الذلّ والصغار كما يتقحّم راكب الصعبة المسلس لها قيادها ، وإمّا أن يقوم فيه ويتشدّد في طلبه فينشعب أمر المسلمين بذلك وينشقّ عصاهم فيكون في ذلك كمن أشنق لها فخرم أنفها ، والأوّل أليق بسياق الكلام ونظامه ، والثاني أظهر ، والثالث محتمل . قوله فمنى الناس لعمر اللَّه بخبط وشماس وتلوّن واعتراض إشارة إلى ما ابتلوا به من اضطراب الرجل وحركاته الَّتي كان ينقمها عليه فكنّى بالخبط عنها وبالشماس عن جفاوة طباعه وخشونتها وبالتلوّن والاعتراض عن انتقاله من حالة إلى أخرى في أخلاقه ، وهي استعارات ، ووجه المشابهة فيها أنّ خبط البعير وشماس الفرس واعتراضها في الطريق حركات غير منظومة فأشبهها ما لم يكن منظوما من حركات الرجل الَّتي ابتلى الناس بها ، ولا شكّ أنّه كان صعبا عظيم السطوة والهيبة وكان أكابر الصحابة يتحامونه ، وقيل لابن عبّاس لمّا أظهر قوله في مسئلة العقول بعد موت عمر : هلَّا قلت ذلك وعمر حيّ قال هيبته ، وكان رجلا مهيبا ، وقيل : إنّ ذلك إشارة إلى ما ابتلى به الناس من اضطراب الأمر وتفرّق الكلمة وجرى أمورهم على غير نظام بسبب تفرّق كلمتهم ، ثمّ أردف ذلك بتكرير ذكر صبره على ما صبر عليه مع الثاني كما صبر مع الأوّل ، وذكر أمرين : أحدهما طول مدّة تخلَّف الأمر عنه ، والثاني شدّة المحنة بسبب فوات حقّه وما يعتقد من لوازم ذلك الفوت وهو عدم انتظام أحوال الدين وإجرائه على قوانينه الصحيحة ، ولكلّ واحد من هذين الأمرين حصّة في استلزام الأذى الَّذي يحسن في مقابلته الصبر . قوله حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم . أقول : حتّى هنا لانتهاء الغاية ، والغاية لزوم تالي الشرطيّة لمقدّمها أعني جعله لها في جماعة لمضيّه لسبيله ، وأشار بالجماعة إلي أهل الشورى ، وخلاصة حديث الشورى أنّ عمر لمّا طعن دخل عليه وجوه الصحابة ، وقالوا له : ينبغي لك أن تعهّد عهدك أيّها الرجل ويستخلف رجلا ترضاه ، فقال : لا أحبّ أن أتحمّلها حيّا وميّتا ، فقالوا : أفلا تشير علينا فقال : أمّا أن أشير فإن أجبتم قلت فقالوا : نعم فقال : الصالحون لهذا الأمر سبعة نفر