وقد كانوا كذلك بمخالفته عليه السّلام والخروج عن طاعته فكان إطلاق أحد اللفظين عليهم لذلك . قوله كأنّهم لم يسمعو اللَّه يقول « تِلْكَ الدَّارُ الآْخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ ولا فَساداً والْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » ( 1 ) . تنبيه لأذهان الطوائف الثلاث المذكورة ومن عساه يتخيّل أنّ الحقّ في سلوك مسالكهم على أنّ ما فعلوه من المخالفة عليه والقتال له إنّما هو طلب للعلوّ والمفاخرة في الدنيا المستلزم للسعي في الأرض بالفساد وإعراض عن الدار الآخرة وحسم لمادّة إعذارهم أن يقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين فيقولوا عند لقاء ربهم لو سمعنا هذه الآية ووعيناها لما ارتكبنا هذه الأفعال ، ويزعمون أنّ الحقّ في هذه المتّصلة هو استثناء نقيض تاليها لينتج لهم نقيض مقدّمها ، وتقديره عليه السّلام لهذا العذر لهم ، على سبيل التهكَّم بهم وأنّه لا عذر لهم في الحقيقة ممّا فعلوه ثمّ أراد عليه السّلام تكذيبهم في ذلك العذر على تقدير اعتذارهم به فأشار إلى مكذّب النتيجة بوضع نقيضها مؤكَّدا بالقسم البارّ ، وإلى منع لزوم هذه المتّصلة بقوله بلى واللَّه لقد سمعوها ووعوها ولكنّه حليت الدنيا في أعينهم ، ونبّه على أنّ وضع المقدّم المذكورة في المتّصلة لا يستلزم تاليها مطلقا بل استلزامه له موقوف على زوال مانع هو حاصل لهم الآن وذلك المانع هو غرور الدنيا لهم بزينتها وإعجابهم بها وعلى تقدير حصول المانع المذكور جاز أن يجتمع هذا المقدّم مع نقيض التالي المذكور وهو ارتكاب ما ارتكبوه من الأفعال . قوله أما والَّذي فلق الحبّة وبرء النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود الناصر وما أخذ اللَّه على العلماء إلى آخره . أقول : لمّا ذكر من حال القوم وحاله معهم ما ذكر من الشكاية والتظلَّم في أمر الخلافة وذمّ الشورى وما انتهى إليه من الحال الَّتي أوجبت نزوله عن مرتبته إلى أن قرن بالجماعة المذكورين أردف ذلك ببيان الأعذار الحاملة على قبول هذا الأمر والقيام به بعد تخلَّفه عنه إلى هذه الغاية ، وقدّم على ذلك شاهدا هذا القسم العظيم بهاتين الإضافتين وهما فالق الحبّة وباريء النسمة ، واعلم أنّ الوصف الأوّل قد ورد في القرآن الكريم وهو قوله « فالِقُ
شرح نهج البلاغة — صفحة 266
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٦٦
هامش
( 1 ) 28 - 83