هماله ، والممتحن المختبر أراد أنّه مختبر نفسه في إخلاص هذه الشهادة واجد لها عريّة عن شبهات الباطل ، معرضة عن كلّ خاطر سوى الحقّ سبحانه متمثّلة فيها حلية التوحيد وخالصة مبرّاة عن شوائب الشرك الخفيّ كما عرفت من التوحيد المطلق والإخلاص المحقّق . قوله نتمسّك بها أبدا ما أبقانا وندّخرها لأهاويل ما يلقانا فإنّها عزيمة الإيمان إلى قوله ومدحرة الشيطان . إشارة إلى أنّه يجب التمسّك بها مدّة البقاء في دار الدنيا لعزائم الأمور والاستعداد بها لأحوال الآخرة وشدائدها ثمّ عقّبها بذكر علَّة التمسّك بها وادّخارها ، وذكر أربعة أوصاف يوجب ذلك : أوّلها أنّها عقيدة الإيمان وعزيمته المطلوبة للَّه سبحانه من خلقه وكلّ ما عداها ممّا وردت به الشريعة من قواعد الدين وفروعه فهي حقوق لها وتوابع ومتممّات ومعيّنات على الوقوف على سرّها والوصول إلى إخلاصها . وثانيها أنّها فاتحة الإحسان فإنّها أوّل كلمة افتتحت به الشريعة واستعدّ العبد بالسلوك في طريق إخلاصها لإفاضة إحسان اللَّه ونعمه شيئا فشيئا ، وكما أنّها أوّل مطلوب للَّه من خلقه في فطرتهم الأصليّة وعلى ألسنة رسله عليهم السّلام فهي أيضا غايتهم الَّتي ينالون بإخلاصها واستصحاب مصاصها السعادة الباقية . وثالثها أنّها مرضاة الرحمن ، وذلك ظاهر إذ هي محلّ رضوان اللَّه والسبب المستنزل لتمام رحمته ومزيد نعمته على محلّ تنور بها ورفع السخط عنه كما قال : أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلَّا اللَّه الخبر . ورابعها أنّها مدحرة الشيطان وذلك أيضا ظاهر فإنّ غاية دعوة الشيطان هو الشرك الظاهر أو الخفيّ ، وهذه الكلمة إنّما وضعت في مقابلة دعوته فظاهرها دافع لظاهر ما يدعو إليه ، وباطنها قامع لباطن ما يدعو إليه ، وكما أنّ الشرك على مراتب لا تتناهى فكذلك الإخلاص في هذه الكلمة فبقدر كلّ مرتبة من السلوك في إخلاصها يسقط في مقابلته مرتبة من الشرك ، ويبطل سعى الشيطان في بناء تلك المرتبة إلى أن يتمّ الإخلاص بقدر الإمكان ، وقد انهدمت قواعد الشيطان بكلَّيّتها وصار أبعد مطرود عن قبول ما يقول « رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ » ( 1 ) .
شرح نهج البلاغة — صفحة 239
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٣٩
هامش
( 1 ) 11 - 37 .