والتخويف بالعقوبات الواقعة بأهل الجنايات كما قال تعالى « أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لأُولِي النُّهى » ( 1 ) وهذا الإنذار مؤيّد للحجج والخطابات الشرعيّة في حقّ من لم يرزق صفاء ذهن يؤثّر فيه مجرّد الخطابات فيحتاج إلى التحذير والإنذار . قوله والناس في فتن انجذم فيها حبل الدين إلى قوله وقام لواؤه . أقول : يحتمل أن يكون الواو في قوله والناس للابتداء ، ويكون ذلك منه عليه السّلام شروعا في ذمّ أحوال زمانه وما هم فيه من البلاء والمحنة والمخاوف والحروب بسبب تشتّت أهوائهم واختلاف آرائهم ، وغرضه عليه السّلام تنبيه السامعين على ما عساهم غافلين عنه ممّا فيه من الفتن المشتملة على المذامّ الَّتي عدّدها لينّبهوا من رقدة الغفلة ، ويشمّروا في سلوك سبيل الحقّ عن ساق الجدّ والاجتهاد ، وذكر من المذامّ الَّتي حصل الناس عليها بسبب ما هم فيه من الفتن أمورا يرجع حاصلها وإن تعدّدت إلى ترك مراسم الشريعة ، وعدم سلوك سبيل الحقّ ، وارتكاب طريق الباطل فانقطاع حبل الدين إشارة إلى انحراف الخلق عن سواء السبيل وعدم تمسّكهم بأوامر اللَّه سبحانه حال وقوع تلك الفتن ، واستعمال لفظ الحبل هاهنا وفي التنزيل الإلهيّ « فاعتصموا بحبل اللَّه جميعا » استعارة لقانون الشريعة المطلوب منها لزومه والتمسّك به ، وكذلك استعمال السواري إمّا لقواعد الدين وأركانه المأمور بتشييدها كالجهاد الَّذي هو أقوى مطالبة لذلك الوقت من الناس ، ويكون المراد بتزعزعها عدم استقامتها واستقرار الناس عليها مجازا . وإمّا لأهل الدين الَّذي به يقوم ورجاله العاملين به الَّذين لم يأخذهم في اللَّه لومة لائم ، وتزعزعها موت أولئك أو خوفهم من الأعداء المارقين وكلّ ذلك استعارة لطيفة ووجوه المشابهة فيها ظاهرة ، وأشار باختلاف النجر إلى اختلاف الأصل الَّذي كان يجمع الخلق والفطرة الَّتي فطر الناس عليها ووردت الشريعة بلزومها فإنّها كانت متّفقة بوجود الرسول صلى اللَّه عليه وآله فاختلف بعده بسلوك كلّ فرقة مذهبا غير الأخرى على أنّ النجر هو الحسب أيضا ، والحسب هو الدين ، فيحتمل أن يريد واختلف الدين ، وأشار بتشتّت الأمر إلى تفرّق كلمة المسلمين ، وبقوله وضاق المخرج وعمى المصدر إلى أنّ الخلق بعد
شرح نهج البلاغة — صفحة 241
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٤١
هامش
( 1 ) 20 - 128