شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ » لما يشتمل عليه الآية من البعث على رجاء المزيد ، والثانية الاستسلام لعزّته فإنّ العبد أيضا يستعدّ بكمال الشكر لمعرفة المشكور وهو اللَّه سبحانه وهي مستلزمة للانقياد لعزّته والخشوع لعظمته وهو في ذلك ناظر إلى قوله « وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ » لما يشتمل عليه الآية من التخويف المانع من مقابلة نعم اللَّه تعالى بالكفر ، ثمّ لمّا كان الاستعداد لتمام النعم والتأهّل لكمال الخضوع والانقياد لعزّة اللَّه سبحانه إنّما يتمّ بعد أن يكون العناية الإلهيّة آخذة بضبعي العبد وجاذبة له عن ورطات المعاصي مبّعدة له عن أسباب التورّط فيها بكفاية المؤن والأسباب الداعية إلى ارتكاب أحد طرفي الإفراط والتفريط جعل عليه السّلام للحمد غاية أخرى هي الوسيلة إلى الغايتين المذكورتين وهي الاستعصام باللَّه سبحانه من معصيته ، وعقّب ذلك الشكر بطلب المعونة منه على تمام الاستعداد لما سأل وشكر لأجله ، وجعل لتلك الاستعانة علَّة حاملة وهي الفاقة نحو غاية هي كفاية دواعي التفريط والإفراط بالجذبات الإلهيّة ولا شكّ أنّ الغايتين المذكورتين لا يتمّ بدون عصمته والمعونة بكفايته وذلك قوله واستعصاما من معصيته وأستعينه فاقة إلى كفايته . قوله إنّه لا يضلّ من هداه ولا يئل من عاداه ولا يفتقر من كفاه تعليل لطلبه المعونة على تحصيل الكفاية فإنّه لمّا كان حصول الكفاية مانعا من دواعي طرفي التفريط والإفراط كان العبد مستقيم الحركات على سواء الصراط وذلك هدى اللَّه يهدي به من يشاء فكأنّه قال : وأستعينه على أن يرزقني الكفاية المستلزمة للهداية الَّتي هي الغنى الحقيقي والملك الأبديّ فإنّه لا يضلّ من هداه ولا ينجو من عذابه من عاداه وأعرض عن شكره والاستعانة به وقد أطلق عليه السّلام هاهنا لفظ المعاداة اللَّه كما أطلقها القرآن الكريم على ما هو من لوازمها وهو الإعراض عن عبادته والبغض لها ولمن تلبّس بها من عباده مجازا .
قوله فإنّه أرجح ما وزن وأفضل ما خزن الضمير يعود إلى اللَّه سبحانه ولمّا كانت ذاته مقدّسة عن الوزن والخزن اللَّذين هما من صفات الأجسام فبالحريّ أن يكون المقصود رجحان عرفانه في ميزان العقل إذ لا يوازنه عرفان ما عداه بل لا يخطر ببال العارف عند الإخلاص سواه حتّى يصدق هناك موازنة يقال فيها أرجح ، ويكون المراد بالخزن خزن
شرح نهج البلاغة — صفحة 237
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٣٧