تورّطهم في فتن الشبهات الموجبة لتفرّق كلمتهم ضاق مخرجهم منها وعمى عليهم طريق صدورهم منها ، والعمى هاهنا هو المشار إليه بقوله تعالى « فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ ولكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ » ( 1 ) وهو استعارة حسنة إذ العمى حقيقة عبارة عن عدم ملكة البصر ، ووجه المشابهة أنّ الأعمى كما لا يهتدى لمقاصده المحسوسة بالبصر لعدمه كذلك أعمى البصيرة لا يهتدي لمقاصده المعقولة لاختلال بصيرته وعدم عقله لوجوه رشده ، وأشار بخمول الهدى إلى عدم ظهوره بينهم حال عمّاهم عن مصدرهم من ضلالهم إذ كان ضوءه ساقطا بينهم غير موجود ، والفاء لعطف الجملة الاسميّة على الفعليّة وأشار بشمول العمى إلى اشتراكهم في عدم رؤيتهم لسبيل الحقّ الَّذي به يخرجون من شبهات الباطل وظلمته ثمّ أشار بعصيانهم للرحمن ونصرهم للشيطان إلى أنّ ما هم فيه جور عن الحقّ ونصرة للباطل الَّذي هو مأمول الشيطان فبالحريّ أن يكون نصرة للشيطان وعصيانا للرحمن ومن نصر الشيطان بالذّب على الباطل فقد خذل الإيمان بتركه تشييد قواعده والذّب عنه ، وبترك الإيمان وخذلانه لا يبقى له دعامة يقوم بها وتحمله ، والإشارة بالدعائم والمعالم إلى دعاة الحقّ وحملة الإيمان وبانهيارها إلى عدمهم أو عدم قبول قولهم ، وبتنكَّر المعالم إلى عدم معرفتهم في الخلق لقلَّتهم ، ويحتمل أن يراد بالدعائم القواعد الَّتي للدين كالجهاد وغيره وانهيارها عدم القيام بها ، وبتنكَّر المعالم إلى انمحائه من القلوب الَّتي هي معالم الدين ومحالَّه وبدروس سبله وعفاء شركه إلى أنّه لم يبق له أثر يعرف به ، وكلّ ذلك مبالغة في ضعف الدين ومسالك الشيطان ومناهله ما يجرّهم إليه من مناهي اللَّه سبحانه فيتّبعونه فيها ، وأعلام الشيطان ولواؤه إمّا القادة إليه والدعاة إلى باطله المقتدى بهم أو صور الباطل الَّتي تصوّرت في أذهان الخلق وصارت غايات لهم فانقادوا لها واتّبعوها فهم كالأعلام والألوية في الحروب وغيرها . قوله في فتن داستهم بأخفافها ووطئتهم بأظلافها وقامت على سنابكها يحتمل أن يكون في فتن متعلَّقا بقوله بهم سارت أعلامه وقام لواؤه ، ويحتمل أن يتعلَّق بمقدّر يكون
شرح نهج البلاغة — صفحة 242
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٤٢
هامش
( 1 ) 22 - 45