تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤

مسموعا كالتنزيل ومحفوظا مثله فلا معنى لتخصيص ابن عبّاس بذلك . الخامس قوله تعالى « لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ » فأثبت للعلماء استنباطا ، ومعلوم أنّه وراء المسموع فإذن الواجب أن يحمل النهى عن التفسير بالرأي على أحد معنيين : أحدهما أن يكون للإنسان في الشيء رأي وله إليه ميل بطبعه فيتأوّل القرآن على وفق رأيه حتّى لو لم يكن له ذلك الميل لما خطر ذلك التأويل له ، وسواء كان ذلك الرأي مقصدا صحيحا أو غير صحيح ، وذلك كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيستدّل على تصحيح غرضه من القرآن بقوله تعالى « اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى » ويشير إلى أنّ قلبه هو المراد بفرعون كما يستعمله بعض الوعّاظ تحسينا للكلام وترغيبا للمستمع وهو ممنوع . الثاني أن يتسرّع إلى تفسير القرآن بظاهر العربيّة من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلَّق بغرائب القرآن وما فيها من الألفاظ المبهمة وما يتعلَّق من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير والمجاز فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرّد فهم العربيّة كثر غلطه ودخل في زمرة من يفسّر بالرأي مثاله قوله تعالى « وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها » ( 1 ) فالناظر إلى ظاهر العربيّة ربّما يظنّ أنّ المراد أنّ الناقة كانت مبصرة ، ولم تكن عمياء والمعنى آية مبصرة ، ثمّ لا يدري أنّهم إذا ظلموا غيرهم ومن ذلك المنقول المنقلب كقوله تعالى « وَطُورِ سِينِينَ » وكذلك باقي أجزاء البلاغة فكلّ مكتف في التفسير بظاهر العربيّة من غير استظهار بالنقل فهو مفسّر برأيه ، فهذا هو النهي عنه دون التفهم لأسرار المعاني وظاهر أنّ النقل لا يكفي فيه ، وإنّما ينكشف للراسخين في العلم من أسراره بقدر صفاء عقولهم ، وشدّة استعدادهم له وللطلب والفحص والتفهّم وملاحظة الأسرار والعبر ، ويكون لكلّ واحد منهم جدّ في الترقيّ إلى درجة منه بعد الاشتراك في الظاهر ومثاله ما فهم بعض العارفين من قوله صلى اللَّه عليه وآله في سجوده : أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك إنّه قيل له اسجد واقترب فوجد القرب في السجود فنظر إلى الصفات فاستعاذ ببعضها من بعض ، فإنّ الرضا والسخط وصفان متضادّان ثمّ زاد قربه فاندرج القرب الأوّل فيه فرقي إلى اللذّات ، فقال : أعوذ

هامش
( 1 ) 17 - 61 .