تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
مَعِيشَةً ضَنْكاً ونَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى » الآية وإنّما حظَّ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل وحظَّ العقل تفسير المعاني ، وحظَّ القلب الاتّعاظ والتأثّر بالانزجار والايتمار . التاسع الترقّي وهو أن يوجّه قلبه وعقله إلى القبلة الحقيقيّة فيسمع الكلام من اللَّه تعالى لا من نفسه . ودرجات القراءة ثلاث : أدناها أن يقدّر العبد كأنّه يقرأ على اللَّه واقفا بين يديه وهو ناظر إليه ومستمع منه فيكون حاله عند هذا التقدير السؤال والتضرّع والابتهال . الثانية أن يشهد بقلبه كأنّه سبحانه يخاطبه بألطافه ويناجيه بإنعامه وإحسانه ، وهو في مقام الحياء والتعظيم لمنن اللَّه والاصغآء إليه والفهم عنه . الثالثة أن يرى في الكلام المتكلَّم ، وفي الكلمات الصفات ولا ينظر إلى قلبه ولا إلى قراءته ولا إلى التعلَّق بالإنعام من حيث هو منعم عليه بل يقصر الهمّ على المتكلَّم ويوقف فكره عليه ويستغرق في مشاهدته . هذه درجة المقرّبين ، عنها أخبر الصادق جعفر بن محمّد عليه السّلام فقال : لقد تجلَّى اللَّه تعالى لخلقه في كلامه ولكنّهم لا يبصرون ، وقال أيضا وقد سألوه عن حالة لحقته في الصلاة حتّى خرّ مغشيّا عليه ، فلمّا أفاق قيل له في ذلك فقل : ما زلت اردّد هذه الآية على قلبي حتّى سمعتها من المتكلَّم بها فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته . ففي مثل هذه الدرجة تعظم الحلاوة ، وبهذا الترقّي يكون العبد ممتثلا لقوله تعالى « فَفِرُّوا إِلَى الله » وبمشاهدة المتكلَّم دون ما عداه يكون ممتثلا لقوله تعالى « وَلا تَجْعَلُوا مَعَ الله إِلهاً آخَرَ » فإنّ رؤية غير اللَّه معه شرك خفيّ لا مخلص منه إلَّا برؤيته وحده . العاشر التبريّ ، والمراد به أن يبرء من حوله وقوّته ولا يلتفت إلى نفسه بعين الرضا والتزكية ، فإذا تلا آيات الوعد ومدح الصالحين حذف نفسه عن درجة الاعتبار وشهد فيها الموقنين والصديقين ، ويتشوّق إلى أن يلحقه اللَّه تعالى بهم ، وإذا تلا آيات المقت والذّم في المقصّرين شهد نفسه هناك وقدّر أنّه المخاطب خوفا وإشفاقا . قيل ليوسف بن أستاط إذا قرأت القرآن بماذا تدعو . قال : بما ذا أدعو أستغفر اللَّه عن تقصيري سبعين مرّة ، ومن رأى نفسه بصورة التقصير في القراءة كان ذلك سبب قربه فإنّ من شهد البعد في القرب لطف له بالخوف حتّى يسوقه إلى درجة أعلى في القرب ومن شهد القرب في البعد ردّه أمنه إلى درجة أدني في البعد ممّا هو فيه ، ومهما شاهد نفسه بعين الرضا صار محجوبا بنفسه فإذا جاوز حدّ الالتفات إلى نفسه ولم يشاهد إلَّا اللَّه في قراءته انكشف له الملكوت ، والمكاشفات تابعة لحال