فيها أربعة شروط وحيث أوجزه واقتصر ذكر شرطا واحدا جامعا للشرائط فقال تعالى « إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ » إذ كان الإحسان جامعا لكلّ الشرائط ، وتأثّر العبد بالتلاوة أن يصير بصفة الآية المتلوّة فعند الوعيد يتضاءل من خشية اللَّه وعند الوعد يستبشر فرحا باللَّه وعند ذكر صفات اللَّه وأسمائه يتطأطأ خضوعا لجلاله وعند ذكر الكفّار في حقّ اللَّه ما يمتنع عليه كالصاحبة والولد يعضّ صورته ( صوته ) وينكسر في باطنه من قبح أفعالهم ويكبّر اللَّه ويقدّسه عمّا يقول الظالمون ، وعند ذكر الجنّة ينبعث بباطنه شوقا إليها ، وعند ذكر النار ترعد فرائصه خوفا منها ، ولمّا قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله لابن مسعود : اقرأه علىّ قال : فافتتحت سورة النساء فلمّا بلغت « فكيف إذا جئنا من كلّ امّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا » رأيت عينيه تذرفان من الدمع ، فقال لي : حسبك الآن ، وذلك لاستغراق تلك الحالة بقلبه بالكلَّيّة ، وبالجملة فالقرآن إنّما يراد بهذه الأحوال واستجلابها إلى القلب والعمل بها قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله : اقرؤا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم ولانت عليه جلودكم ، فإذا اختلفتم فلستم تقرؤنه ، وقال تعالى « الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً » ( 1 ) وإلَّا فالمئونة في تحريك اللسان خفيفة قال بعضهم قرأت على شيخ لي ، ثمّ رجعت أقرء عليه ثانيا فانتهرني وقال : جعلت القرآن عليّ . عملا اذهب فاقرء على اللَّه تعالى ، وانظر ما ذا يأمرك ، وما ذا يفهمك ، ومات رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله عن عشرين ألفا من الصحابة لم يكن ليحفظ القرآن منهم غير ستّة واختلف منهم في اثنين وكان أكثرهم يحفظ السورة والسورتين ، وكان الَّذي يحفظ البقرة والأنعام من علمائهم كلّ ذلك لاشتغالهم بتفهّم معاني القرآن عن حفظه كلَّه ، وجاء إليه واحد ليعلَّمه القرآن فانتهى إلى قوله تعالى « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ » ( 2 ) فقال : يكفيني هذا وانصرف فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله انصرف الرجل وهو فقيه فالعزيز مثل تلك الحالة الَّتي يمنّ اللَّه تعالى بها على القلب عقيب تفهّم الآية ، وامّا التالي باللسان المعرض عن العمل فجدير بأن يكون المراد بقوله تعالى « وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ
شرح نهج البلاغة — صفحة 216
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢١٦
هامش
( 1 ) 8 - 2 :
( 2 ) 99 - 7 .