المتولَّي لحفظ ذلك شيطان وكلّ بالقرّاء ليصرف عن معاني كلام اللَّه فلا يزال يحملهم على ترديد الحرف ويحيل إليهم أنّه لم يخرج من مخرجه فيكون تأملَّه مقصور على مخارج الحروف : فمتى تنكشف له المعاني ، وأعظم ضحكة للشيطان من كان مطيعا لمثل هذا التلبيس ، وثانيها أن يقلَّد مذهبا سمعه وتفسيرا ظاهرا نقل إليه عن ابن عبّاس أو مجاهد أو غيرهما فيحمل على التعصّب له من غير علم فيصير نظره موقوفا على مسموعه حتّى لو لاح له بعض الأسرار حمل عليه شيطان التقليد جهله ، ولم يسوّغ له مخالفة آبائه ومعلميّه في ترك ما هو عليه من الاعتقاد ، وإلى مثل هذا أشارت الصوفيّة بقولهم : العلم حجاب ، وعنوا بالعلم العقائد الَّتي استمرّ عليها أكثر الناس بالتعليم والتقليد أو بمجرّد كلمات جدليّة حرّرها المتعصبّون للمذاهب وألقوها إليهم لا العلم الحقيقيّ الَّذي هو المشاهدة بأنوار البصيرة ، ثمّ ذلك التقليد قد يكون باطلا كمن يحمل الاستواء على العرش على ظاهره فإن خطر له في القدّوس أنّه المقدّس عن كلّ ما يجوز على خلقه لم يمكنه تقليده من استقرار ذلك الخاطر في نفسه حتّى ينساق إلى كشف ثان وثالث ، ولكن يتسارع إلى دفع ذلك عن خاطره ويجعله وسوسة ، وقد يكون حقّا ويكون أيضا مانعا من الفهم لأنّ الحقّ الَّذي كلَّف الخلق طلبه له مراتب ودرجات وظاهر وباطن فجمود الطبع على ظاهره يمنع من الوصول إلى الباطن ، فإن قلت : كيف يجوز أن يتجاوز الإنسان المسموع وقد قال صلى اللَّه عليه وآله : من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار ، وفي النهي عن ذلك آثار كثيرة ، قلت : الجواب عنه من وجوه : الأوّل أنّه معارض بقوله صلى اللَّه عليه وآله : إنّ للقرآن ظهرا وبطنا وحدّا ومطلعا ، وبقوله عليّ عليه السّلام : إلَّا أن يؤتى اللَّه عبدا فهما في القرآن ، ولو لم يكن سوى الترجمة المنقولة فما فائدة ذلك الفهم ، الثاني أنّه لو لم يكن غير المنقول لاشترط أن يكون مسموعا من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وذلك ممّا لا يصادف إلَّا في بعض القرآن ، وأمّا ما بقوله ابن عبّاس وابن مسعود وغيرها من أنفسهم فينبغي أن لا يقبل ويقال هو تفسير بالرأي .
الثالث أنّ الصحابة والمفسّرين اختلفوا في تفسير بعض الآيات فقالوا فيها أقاويل مختلفة لا يمكن الجمع بينها ، وسماع ذلك عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله محال فكيف يكون الكلّ مسموعا . الرابع أنّه عليه السّلام دعا لابن عبّاس فقال : اللهمّ فقّهه في الدين ، وعلَّمه التأويل فإن كان التأويل
شرح نهج البلاغة — صفحة 213
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢١٣