في كيفيّة أشكال أعضائها المختلفة من المستدير والطويل والعريض والمستقيم والمنحني والرخوة والصلب والرقيق والغليظ ، وما أودع في كلّ من القوّة وهبا له من المنفعة الَّتي لو اختلّ شيء منها لاختلّ أمر البدن ومصالح الإنسان ، فليتأمّل في هذه العجائب وأمثالها يترقىّ فيها إلى عجيب قدرة اللَّه تعالى والمبدأ الَّذي صدرت عنه هذه الآثار ، فلا يزال مشاهدا لكمال الصانع في كمال صنعه ، وأمّا أحوال الأنبياء عليهم السلام فليفهم من سماع كيفيّة تكذيبهم وقتل بعضهم صفة استغناء اللَّه تعالى عنهم ، ولو هلكوا بأجمعهم لم يتضرّر بذلك ولم يؤثّر في ملكه فإذا سمع نصرتهم فليفهم أنّ ذلك بتأييد إلهيّ كما قال تعالى « حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ » ( 1 ) وأمّا أحوال المكذّبين لهم كعاد وثمود وكيفيّة إهلاكهم فلينبّه من سماعه لاستشعار الخوف من سطوة اللَّه ونقمته وليكن حظَّه منه الاعتبار في نفسه ، وأنّه إن غفل وأساء الأدب فربّما أدركته النقمة ونفذت فيه القضيّة حيث لا ينفع مال ولا بنون ، وكذلك إذا سمع أحوال الجنّة والنار فليحصل منهما على خوف ورجاء وليتصوّر أنّه بقدر ما يبعد عن أحدهما يقرب من الآخر ، وليفهم منها ومن سائر القرآن أنّ استقصاء ما هناك من الأسرار الإلهيّة غير ممكن لعدم نهايته قال تعالى « قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً » ( 2 ) وقال عليّ عليه السّلام : لو شئت لأوفرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب ، فمن لم يتفهمّ معاني القرآن في تلاوته وسماعه ولو في أدنى المراتب دخل في قوله تعالى « أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ الله فَأَصَمَّهُمْ وأَعْمى أَبْصارَهُمْ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها » ( 3 ) وتلك الأقفال هي الموانع الَّتي سنذكرها . السادس التخلَّي عن موانع الفهم فإنّ أكثر الناس منعوا من فهم القرآن لأسباب وحجب استدّلها الشيطان على قلوبهم فحجبت عن عجائب أسراره قال صلى اللَّه عليه وآله : لولا أنّ الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لتنظروا إلى الملكوت ، ومعاني القرآن وأسراره من جملة الملكوت والحجب المانعة . أوّلها الاشتغال بتحقيق الحروف وإخراجها والشدق بها عن ملاحظة المعنى ، وقيل : إنّ
شرح نهج البلاغة — صفحة 212
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢١٢
هامش
( 1 ) 12 - 110 .
( 2 ) 18 - 109 .
( 3 ) 47 - 25 .