كثيرا » ( 1 ) وقال « وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا » تمكَّن الإنسان من تدبّر الباطن وقال صلى اللَّه عليه وآله : لا خير في عبادة لا فقه فيها ، ولا في قراءة لا تدبّر فيها ، وإذا لم يمكن التدبّر إلَّا بالترديد فليردّد قال أبو ذر : قام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله ليلة يردّد قوله تعالى « إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » ( 2 ) الخامس التفهّم وهو أن يستوضح من كلّ آية ما يليق بها إذ القرآن يشتمل على ذكر صفات اللَّه تعالى وأفعاله وأحوال أنبيائه والمكذّبين لهم وأحوال ملائكته وذكر أوامره وزواجره وذكر الجنّة والنار والوعد والوعيد ، فليتأمّل معاني هذه الأسماء والصفات لتنكشف له أسرارها فتحتها دفائن الأسرار وكنوز الحقائق وإلى ذلك أشار عليّ عليه السلام بقوله ما أسرّ إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله شيئا كتمه عن الناس إلَّا أن يؤتى اللَّه عبدا فهما في كتابه فليكن حريصا في طلب ذلك الفهم ، وقال ابن مسعود : من أراد علم الأوّلين والآخرين فعليه بالقرآن ، واعلم أنّ أعظم علوم القرآن تحت أسماء اللَّه تعالى وصفاته ولم يدرك الخلق منها إلَّا بقدر أفهامهم وإليه الإشارة بقوله « أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً » ( 3 ) فالماء هو العلم أنزله من سماء جوده أودية القلوب كلّ على حسب استعداده وإمكانه وإن كان وراء ما أدركوه أطوار أخرى لم يقفوا عليها ، وكنوز لم يعثروا على أغوارها أمّا أفعاله تعالى وما أشار إليه من خلق السماوات والأرض وغيرها فالَّذي ينبغي أن يفهم التالي منها وهو صفات اللَّه وجلاله لاستلزام الفعل الفاعل فيستدلّ بعظمة فعله على عظمته ليلاحظ بالأخرة الفاعل دون الفعل فيقرأ في المقام الأوّل « هذا خلق اللَّه فأروني ما ذا خلق الَّذين من دونه » ( 4 ) ويقرأ في المقام الثاني « كلّ شيء هالك إلَّا وجهه » فمن عرف الحقّ رآه في كلّ شيء ، ومن بلغ إلى حدّ العرفان عن درجة الاعتبار لم ير معه غيره فإذا تلا قوله « أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ - أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ » فلا ينبعي أن يقصّر نظره على النطفة والماء والنار بل ينظر في المني وهو نطفة ، ثمّ في كيفيّة انقسامها إلى اللحم والعظم والعصب والعروق وغيرها ، ثمّ
شرح نهج البلاغة — صفحة 211
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢١١
هامش
( 1 ) 4 - 84
( 2 ) 5 - 118
( 3 ) 13 - 18
( 4 ) 31 - 10