تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥

بك منك ثمّ زاد قربه ممّا استحيا به على سائر القرب فالتجأ إلى الثناء ، فأثنى بقوله : لا أحصي ثناء عليك ، ثمّ علم أنّ ذلك قصور ، فقال : أنت كما أثنيت على نفسك ، فهذه خواطر نسخ للعارفين لا يفهم من تفسير الظاهر وليس مناقضا له ، وإنّما هو استكمال لما تحته من الأسرار . الثالث من الموانع أن يكون مبتلى من الدنيا بهوى متاع فإنّ ذلك سبب لظلمة القلب وكالصداء على المرآة فيمنع جليّة الحقّ يتجلَّى فيه وهو أعظم حجاب للقلب وبه حجب الأكثرون : وكلَّما كانت الشهوات أكثر تراكما على القلب كان البعد عن أسرار اللَّه أكثر ، ولذلك قال صلى اللَّه عليه وآله : الدنيا والآخرة ضرّتان بقدر ما تقرب من إحداهما تبعد من الأخرى . السابع أن يخصّص نفسه بكلّ خطاب في القرآن من أمر أو نهي أو وعد أو وعيد ، ويقدّر أنّه هو المقصود به كذلك إن سمع قصص الأوّلين والأنبياء عليهم السلام علم أنّ السمر غير مقصود وإنّما المقصود الاعتبار فلا يعتقد أنّ كلّ خطاب خاصّ في القرآن فالمراد به الخصوص فإنّ القرآن وسائر الخطابات الشرعيّة واردة بإيّاك أعني واسمعي يا جاره ، وهي كلَّها نور وهدى ورحمة للعالمين ، ولذلك أمر الحقّ تعالى الكافّة بشكر نعمة الكتاب فقال « وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ وما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ والْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ » ( 1 ) وإذا قدر أنّه المقصود لم يتخذ دراسة القرآن عملا بل قراءة كقرائة العبد كتاب مولاه الَّذي كتبه إليه ليتدبّره ويعمل بمقتضاه كما قال حكيم : هذا القرآن وسائل أتتنا من قبل ربّنا بعهوده نتدبّرها في الصلوات ، ونقف عليها في الخلوات ، ونعدّها في الطاعات بالسنن المتبعات . الثاني التأثّر وهو أنّ يتأثّر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات ، فيكون له بحسب كلّ فهم حال ووجد يتصّف به عندما يوجّه نفسه في كلّ حالة إلى الجهة الَّتي فهمها من خوف أو حزن أو رجاء أو عبرة فيستعدّ بذلك وينفعل ويحصل له التأثّر والخشية ، ومهما قويت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه فإنّ التضييق غالب على العارفين فلا يرى ذكر المغفرة والرحمة إلَّا مقرونا بشروط يقصر العارف عن نيلها كقوله تعالى « وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى » ( 2 ) فإنّه قرن المغفرة بهذه الشروط الأربعة وكذلك قوله تعالى « وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ » السورة ذكر

هامش
( 1 ) 2 - 31 .
( 2 ) 20 - 84 .