تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠

عظمة سلطانه وسبحات نوره فالصوت والحرف للحكمة جسد ، وهي بالنسبة إليه نفس وروح ، ولمّا كان شرف الأجساد وعزّتها بشرف أرواحها فكذلك شرف الحرف والصوت بشرف الحكمة الَّتي فيها . الثاني التعظيم للمتكلَّم ، وينبغي أن يحضر في ذهن القارئ عظمة المتكلَّم ، ويعلم أنّ ما يقرأه ليس بكلام البشر ، وأنّ في تلاوة كلام اللَّه غاية الحظر فإنّه تعالى قال « لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ » وكما أنّ ظاهر جلد المصحف وورقه محروس عن ظاهر بشرة الأمس الغير المتطَّهر فكذلك باطن معناه كلمة عزّه وجلاله محجوب عن باطن القلب إذ لا يستضيء بنوره إلَّا إذا كان متطهّرا عن كلّ رجس مستنيرا بنور التعظيم والتوفير عن ظلمة الشرك ، وكما لا تصلح للمس جلد المصحف كلّ يد ، فلا يصلح لتلاوة حروفه كلّ إنسان ولا لحمل أنواره كلّ قلب ، ولأجل هذا الإخلال كان عكرمة بن أبي جهل إذا نشر المصحف يغشى عليه ويقول : هو كلام ربّي فيعظَّم الكلام بتعظيم المتكلَّم وعلمت أنّ عظمة المتكلَّم لا تخطر في القلب بدون الفكر في صفات جلاله ونعوت كماله وأفعاله وإذا خطر ببالك الكرسيّ والعرش والسماوات والأرضون وما بينهما ، وعلمت أنّ الخالق لجميعها والقادر عليها والرازق لها هو اللَّه الواحد القهّار ، وأنّ الكلّ في قبضته والسماوات مطويّات بيمينه ، والكلّ سائر إليه وأنّه الَّذي يقول : هؤلاء في الجنّة ، ولا أبالي فإنّك تستحضر من ذلك عظمة المتكلَّم ثمّ عظمة الكلام . الثالث حضور القلب وترك حديث النفس . قيل في تفسير قوله « يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ » أي بجدّ واجتهاد وأخذه بالجدّ أن يتجرّد عند قراءته بحذف جميع المشغلات والهموم عنه ، وهذه الوظيفة تحصل ممّا قبلها فإنّ المعظم للكلام الَّذي يتلوه يستبشر به ويستأنس إليه ولا يغفل فإنّ في القرآن ما يستأنس به القلب إن كان التالي له أهلا ، وكيف يطلب الأنس بالفكر في غيره وفيه بساتين العارفين ، ورياض الأولياء وميادين أولي الألباب . الرابع التدبير وهو طور وراء حضور القلب فإنّ الإنسان قد لا يتفكَّر في غير القرآن ، ولكنّه يقتصر على سماع القرآن من نفسه وهو لا يتدبّره ، والمقصود من التلاوة التدبّر قال سبحانه « أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها » ( 1 ) « أفلا يتدبّرون القرآن ولو كان من عند غير اللَّه لوجدوا فيه اختلافا

هامش
( 1 ) 47 - 26