قوله وخلَّف فيكم ما خلَّفت الأنبياء في أممها إذ لم يتركوهم هملا بغير طريق واضح ولا علم قائم . أقول : لمّا كان هذا الشخص الَّذي هو النبيّ ليس ممّا يتكوّن وجود مثله في كلّ وقت لما أنّ المادّة الَّتي تقبل كمال مثله إنّما يقع في قليل من الأمزجة وجب إذن أن يشرع للناس بعده في أمورهم سنّة باقية بإذن اللَّه وأمره ووحيه وإنزاله الروح القدس عليه ، وواجب أن يكون قد دبّر لبقاء ما يسنّه ويشرعه في أمور المصالح الإنسانيّة تدبيرا والغاية من ذلك التدبير هو بقاء الخلق واستمرارهم على معرفة الصانع المعبود ودوام ذكره وذكر المعاد ، وحسم وقوع النسيان فيه مع انقراض القرآن الَّذي يلي النبيّ ومن بعده فواجب إذن أن يأتيهم بكتاب من عند اللَّه ويكون وافيا بالمطالب الإلهيّة والأذكار الجاذبة إلى اللَّه سبحانه ولإخطاره بالبال في كلّ حال مشتملا على أنواع من الوعد على طاعة اللَّه ورسوله بجزيل الثواب عند المصير إليه ، والوعيد على معصيته بعظيم العقاب عند القدوم عليه ولا بدّ أن يعظَّم أمره ويسنّ على الخلق تكراره وحفظه ، أو بحثه ودراسته وتعلَّمه وتعليمه وتفّهم معانيه ومقاصده ليدوم به التذكَّر للَّه سبحانه ، والملاء الأعلى من ملائكته ثمّ يسنّ عليهم أفعالا وأعمالا تتكرّر في أوقات مخصوصة تتقارب ويتلو بعضها بعضا مشفوعة بألفاظ تقال ونيّات تنوى في الخيال ليحصل بها دوام تذكَّر المعبود الأوّل وينتفع بها في أمر المعاد وإلَّا فلا فائدة فيها ، وهذه الأفعال كالعبادات الخمس المفروضة على الناس وما يلحقها من الوظائف ولمّا بدء عليه السّلام هاهنا بذكر الكتاب العزيز لكونه مشتملا على ذكر سائر ما جاء به الرسول صلى اللَّه عليه وآله إمّا مطابقة أو التزاما وفي بسط قوانينه الكليّة بحسب السنّة النبويّة وفاء بجميع المطالب الإلهيّة ، فنحن نبدء بذكر شرفه ووظائفه وشرائط تلاوته ونؤخّر الكلام في باقي العبادات إلى مواضعها . البحث الثاني - في فضيلة الكتاب أمّا الفضيلة فمن وجوه . الأوّل - قوله تعالى « وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ » ( 1 ) « كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبابِ » ( 2 ) وقوله « وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ
شرح نهج البلاغة — صفحة 208
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٠٨
هامش
( 1 ) 28 - 51
( 2 ) 38 - 28