تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧

الأصنام ذلك إذ يبعد ممّن له أدنى فطنة أن يعمل خشبا بيده ثمّ يتخذّه إلها إلَّا أنّ الخلق لمّا عكفوا عليها وربطوا حوائجهم بها من غير إذن شرعيّ ولا حجّة ولا برهان من اللَّه تعالى كان عكوفهم ذلك وعبادتهم لها إثباتا لإلهيّتها ، ووراء ذلك من أصناف الآراء الباطلة والمذاهب الفاسدة أكثر من أن تحصى مذكورة في الكتب المصنّفة في هذا الفنّ ، وإذا عرفت ذلك ظهر معنى قوله عليه السّلام من مشيّئة اللَّه بخلقه كالبقيّة من أصحاب الملل السابقة فإنّهم وإن أثبتوا صانعا إلَّا أنّ أذهانهم مكيّفة بكيفيّة بعض مصنوعاته في نفس الأمر من الجسميّة وتوابعها ، ومن ملحد في اسمه كالَّذين عدلوا عن الحقّ في أسماعه بتحريفها عمّا هي عليه إلى أسماء اشتقّوها لأوثانهم وزادوا فيها ونقصوا كاشتقاقهم اللات من اللَّه ، والعزّى من العزيز ومناة من المنّان ، وهذا التأويل مذهب ابن عبّاس ، ومنهم من فسّر الملحدين في أسماء اللَّه بالكاذبين في أسمائه وعلى هذا كلّ من سمّى اللَّه بما لم يسمّ به ذهنه ولم ينطق به كتاب ولا ورد فيه إذن شرعيّ فهو ملحد في أسمائه ، وقوله ومن مشير إلى غيره كالدهريّة وغيرهم من عبدة الأصنام ، والانفصال هاهنا لمنع الخلوّ أيضا ، فلمّا اقتضت العناية بعثته صلى اللَّه عليه وآله ليهتدوا سبيل الحقّ ويفيئوا من ضلالهم القديم إلى سلوك الصراط المستقيم ، ولينقذهم ببركة نوره من ظلمات الجهل إلى أنوار اليقين ، فقام بالدعوة إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالَّتي هي أحسن ، فجلى اللَّه بنوره صداء قلوب الخلق ، وأزهق باطل الشيطان بما جاء به من الحقّ والصدق وانطلقت الألسن بذكر اللَّه واستنارت البصائر بمعرفة اللَّه وكمل به دينه في أقصى بلاد العالم ، وأتمّ به نعمته على كافّة عباده كما قال تعالى « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً » ( 1 ) أحبّ اللَّه سبحانه لقاءه كما أحبّ هو لقاء اللَّه كما قال صلى اللَّه عليه وآله : من أحبّ لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه ورضى له ما عنده من الكرامة التامّة والنعمة العامّة في جواره الأمين في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، فأكرمه عن دار الدنيا ورغب به عن مجاورة البلوى ومقام الأذى فقبضه اللَّه إليه عند انتهاء أجله كريما عن أدناس الذنوب طاهرا في ولادته الجسمانيّة والروحانية صلى اللَّه عليه وآله ما برق بارق وذرّ شارق .

هامش
( 1 ) 5 - 5