تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
قول الباقر محمّد بن عليّ عليهما السّلام : قد انقضى قبل آدم الَّذي هو أبونا ألف ألف آدم وأكثر على هذا المعنى إذا ثبت هذا فنقول : إنّ لكلّ آدم بالمعاني المذكورة ملائكة تخصّه وهي مأمورة بالسجود له ، وإبليس في مقابلته ومعارضته أمّا آدم بالمعني الأوّل والثاني فملائكته المأمورون بالسجود له هي قواه البدنيّة ونفوس أهل زمانه المأمورين باتّباعه المستمعين لقوله وسائر القوى في أقطار هذا العالم فإنّها بأسرها ملائكة مأمورة بالخضوع له والسعي في مهمّاته وحوائجه بين يديه والمعونة على مراده ، وأمّا إبليس المعارض له القوّة الوهميّة منها المعارضة لمقتضى عقله العمليّ الساعية في الأرض فسادا والنفوس المتمرّدة عن قبول الحقّ والاستماع لقوله الخارجة عن طاعته وهم شياطين الإنس والجنّ الَّذي يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا وكذلك ملائكة آدم وإبليس آدم الَّذي هو صنف الأنبياء والدعاة إلى اللَّه تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة ، وأمّا آدم الَّذي هو نوع الإنسان فكلّ الملائكة الَّذين ذكرناهم في هذا العالم هم المأمورون بالسجود له وإبليس كلّ شخص من هذا النوع هو وهمه المعارض لعقله وجنوده ما تحته من القوى الشهويّة والغضبيّة وغيرها إذا عرفت هذه المقدّمات فليرجع إلى المتن فنقول : الأولى أن يحمل آدم فيما ذكره عليه السّلام هاهنا من هذه القصّة على مطلق النوع الإنسانيّ . فقوله ثمّ جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها وعذبها وسبخها تربة سنّها بالماء حتّى خلصت ولاطها بالبلَّة حتّى لزبت إشارة إلى أصل امتزاج العناصر ، وإنّما خصّ هذين العنصرين وهما الأرض والماء دون الباقيين لأنّهما الأصل في تكوّن الأعضاء ، المشاهدة الَّتي تدور عليها صورة الإنسان المحسوسة ، وقوله حتّى خلصت وحتّى لزبت إشارة إلى بلوغها في الاستعداد الغاية الَّتي معها تفاض صورة ما يتكوّن منها ، وقوله فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول وأعضاء وفصول إشارة إلى خلق الصورة الإنسانيّة وإفاضتها بكمال أعضائها ومفاصلها وما تقوم به صورة ، وقوله منها الضمير راجع إلى التربة ويفهم من ظاهر اللفظ أنّ الصورة الإنسانيّة هي المفاضة على كمال استعداد التربة من غير واسطة انتقالات أخر في أطوار الخلقة ، وإنّما يتمّ ذلك إذا حملنا آدم على أوّل شخص يكون من هذا النوع فأمّا إذا حملنا على مطلق النوع كان المراد أنّه جبل منها الصورة