تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧

الإنسانيّة بوسائط من صور ترددت في أطوار الخلقة كما قال تعالى « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ » ( 1 ) فالصورة الإنسانيّة جبلت من النطفة المتولَّدة من فضل الهضم الرابع المتولَّد من الأغذية ، وهي إمّا حيوانيّة أو نباتيّة والحيوانيّة تنتهي إلى النباتيّة والنباتيّة إنّما تتولَّد من صفو الأرض والماء وهي التربة المستعدّة للإنبات وليس في ذلك مخالفة الظاهر فإنّ تلك التربة بعد أن تواردت عليها أطوار الخلقة وأدوار الفطرة صارت منيّا فصدق عليها أنّ الصورة الإنسانيّة جبلت منها ، وقوله أجمدها حتّى استمسكت وأصلدها حتّى صلصلت الضمير في الجملتين راجع إلى الصورة وما يتعلَّق بها من الأعضاء فالإجماد لغاية الاستمساك راجع إلى بعضها كاللحم والأعصاب والعروق وأشباهها ، والأصلاد لغايته راجع إلى بعض آخر كالعظام والأسنان وإسناد ذلك إلى المدبّر الحكيم سبحانه لأنّه العلَّة الأولى وإن كان هناك لهذه الآثار أسباب قريبة طبيعيّة كالحارّ الغريزي فإنّه المستعدّ لتحريك الموادّ ويتبعه البرد ليسكنه عند الكمالات من الخلق ، وكالرطوبة فإنّها هي الَّتي تتخلق وتتشكَّل ويتبعها اليبوسة لحفظ الأشكال وإفادة التماسك ، وقوله لوقت معدود وأجل معلوم يحتمل أن يراد به أنّ لكلّ مرتبة من مراتب تركيب بدن الإنسان ، وانتقاله في أدوار الخلقة وقتا معدودا يقع فيه وأجلا معلوما يتمّ به ، ويحتمل أن يراد بالوقت المعدود والأجل المعلوم الوقت الَّذي يعلم اللَّه سبحانه انحلال هذا التركيب فيه كما قال تعالى « وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ » ( 2 ) قوله ثم نفخ فيها من روحه . أقول : الضمير المؤنّث راجع إلى الصورة وقد علمت أنّ هذه الإشارة جارية في القرآن الكريم كما قال تعالى « فَإِذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ » ( 3 ) والمراد بالتسوية إفاضة تمام إعداد البدن وتهيّئه لقبول النقش ، والمراد بالنفخ هاهنا هو إفاضة النفس عليه عند كمال ذلك الاستعداد ، واستعمال النفخ هاهنا استعارة حسنة فإنّ النفخ له صورة وهو إخراج الهواء من فم النافخ إلى المنفوخ فيه ليشتعل فيه النار ، ولمّا كانت حقيقة النفخ ممتنعة في حقّ اللَّه تعالى وجب العدول إلى حمل لفظه على ما يشبهه ، ولمّا

هامش
( 1 ) 23 - 13
( 2 ) 11 - 106
( 3 ) 15 - 29