المقدّمة الثانية قد علمت أنّ الملك عندهم اسم مشترك يقع على حقائق مختلفة فأمّا لفظ الجنّ فهو وإن صدق في أصل اللغة على كلّ الملائكة لكونه مأخوذا من الاجتنان وهو الاستتار ، وكون الملائكة مستترين على الأعين فإنّهم يخصّون في عرفهم هذا اللفظ بالأرواح الَّتي تخصّ عالم العناصر فتارة يطلقون عليها أنّها ملائكة باعتبار كونهم مرسلين من عند اللَّه فاعلين لما أمر اللَّه جارين على نظام العقل ، وتارة يطلقون عليها أنّها جنّ باعتبار الاجتنان ، وهم جنّ مسلمون باعتبار موافقة العقل والتصرّف على وفق مصلحة العالم ونظامه ، وكفّار وشياطين باعتبار مخالفتها لذلك ، فأمّا صدق اسم الجنّ على النفوس الناطقة الإنسانيّة فقد تعتبر من جهة أخرى ، وهي كونها عالمة ترى بنور العلم من حيث لا ترى فهي مجتنّة محجوبة عن أبصار الجاهلين ثمّ هي إمّا أن تكون عالمة أو جاهلة وعلى التقديرين فإمّا أن يكون موافقة لظواهر الشريعة منقادة لها متمسّكة بها أوليس كذلك فهذه أقسام أربعة ، أوّلها النفوس العالمة العاملة بمقتضى الشريعة وهذه الطائفة هم الجنّ المسلمون والمؤمنون قالوا : وهم الَّذين أمر اللَّه تعالى نبيّه بالإخبار عنهم في قوله تعالى « قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ » ( 1 ) إلى آخر الآيات قالوا : وممّا يبيّن ذلك أنّ السماء الَّتي أخبر الجنّ عنها أنّهم لمسوها هي سماء الحكمة وهي الشريعة الَّتي استترت فيها قالوا : ولمسهم لها عبارة عن اعتبارهم أمر الشريعة في مبدء ظهورها هل يصحّ لهم معها إظهار الحكمة ويمكنهم أخذها وإعطاؤها بالتعلَّم والتعليم كما كان يفعل قبل ذلك أم لا ، وقولهم « فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا » ( 2 ) إشارة إلى حفظة الشريعة وهم علماء الشريعة والملوك الصالحون اللازمون لناموس الشريعة وقوانينها ، وقولهم « وإنّا كنّا نقعد منها مقاعد للسمع » ( 3 ) إشارة إلى أنّهم كانوا قبل ظهور الشرائع يتدارسون الحكمة ويتعلَّمونها ولم يكن عليهم إنكار ، وقولهم « فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا » ( 4 ) إشارة إلى أنّ المظهر للحكمة بعد وجود الشريعة
شرح نهج البلاغة — صفحة 184
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٨٤
هامش
( 1 ) 72 - 1 .
( 2 ) 72 - 8 .
( 3 ) 72 - 6 .
( 4 ) 72 - 9 .