بواسطة الهواء ، وخامسها البصر وهي قوّة مرتّبة في العصبتين المجوّفتين تدرك ما يتطبّع في الرطوبة الجليديّة من الصور بتوسّط جرم شفاف ، وأمّا الباطنة من القوى فهي أيضا خمس ، وهي إمّا مدركة فقط إمّا للصور الجزئيّة وهو القوّة المسمّاة حسّا مشتركا المرتّبة في التجويف الأوّل من الدماغ عندها تجتمع صور المحسوسات ، ثمّ القوّة الموسومة خيالا ، وهي خزانة الحسّ المشترك مودعة في آخر التجويف المقدّم من الدماغ تجتمع فيها مثل المحسوسات وتبقى فيها بعد الغيبة عن الحواسّ ، وإمّا مدركة للمعاني الجزئيّة ، وهي إمّا الوهم وهي قوّة مرتّبة في التجويف الأوسط من الدماغ تدرك المعاني الجزئية الغير المحسوسة الموجودة في المحسوسات كإدراك الشاة معنى في الذئب يوجب لها الهرب ، وإمّا الحافظة وهي قوّة مرتّبة في التجويف الأخير من الدماغ تحفظ الأحكام الجزئيّة المدركة للوهم وهي خزانة له ، وإمّا مدركة ومتصرّفة وهي القوّة المسمّاة متخيّلة باعتبار استعمال الوهم لها ، ومفكَّرة باعتبار استعمال العقل لها ومحلَّها مقدم البطن الأوسط من الدماغ من شأنها التركيب والتفصيل لبعض الصور ببعض وعن بعض وكذا المعاني والمعاني بالصورة وهي الحاكية للمدركات والهيئات المزاجيّة والحكمة الإلهيّة اقتضّت أن تكون متوسّطة بين مقتضى الصور الجرمانيّة والمعاني الروحانيّة متصرّفة في خزائنهما بالحكم والاسترجاع للأمثال المنمحيّة من الجانبين ، ثمّ إنّ لكلّ واحد من هذه الآلات روح يختصّ به وهو جرم حارّ لطيف متكوّن عن لطافة الأخلاط على نسبة محدودة وهو حامل للقوي المدركة وغيرها ، الثالث النفس الناطقة ونسبتها إلى هذا البدن نسبة الملك إلى المدينة والبدن وجميع أجزائه وقواه المذكورة آلات لها ، ورسمها أنّها جوهر مجرّد يتعلَّق بالأبدان تعلَّق التدبير وهي المشار إليها بقوله تعالى « وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي » ( 1 ) وبقوله عليه السّلام : الأرواح جنود مجنّدة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر فيها اختلف فيها ، ولهذا الجوهر قوّتان يختصّ بهما نظريّة وعمليّة وقد سبقت الإشارة إليهما في مقدّمة الكتاب وتحقيق الكلام في هذا الجوهر والبرهان على وجوده وتجرّده وكمالاته من العلوم والأخلاق مستقصى في مظانّه وباللَّه التوفيق .
شرح نهج البلاغة — صفحة 183
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٨٣
هامش
( 1 ) 17 - 87 .