التارك لظواهر ما جاءت به الأنبياء يجد من حرسة الدين وحفظته شهابا يحرقه ويؤدّيه ، وثانيها النفوس العالمة المخالفة للشريعة والنواميس الإلهيّة التابعة لقواها في مقتضى طباعها وهؤلاء هم من شياطين الجنّ ومردتها ، وثالثها النفوس الجاهلة إلَّا أنّها متمسّكة بظواهر الشريعة منقادة لها ، وهؤلاء هم المسلمون من الإنس ، ورابعها النفوس الجاهلة التاركة للشريعة والعمل بها التابعة لمقتضى الطبيعة ، وهؤلاء هم شياطين الإنس قالوا : وبهذا البيان لا يبقي بين قول اللَّه سبحانه « إلَّا إبليس كان من الجنّ » وبين استثنائه من الملائكة المقتضي لدخوله فيهم وكونه منهم فرق بل هو من الملائكة باعتبار من الجنّ باعتبار ومن الشياطين باعتبار ، والشيطان قد يكون ملكا في أصله ثمّ ينتقل إلى الشيطانيّة باعتبار فسوقه عن أمر ربّه وكذلك الجنّي واللَّه أعلم . المقدّمة الثالثة - قالوا : كلّ ما يتوالد فلا يستحيل في أصله أن يكون متولَّدا ثمّ ضربوا لذلك أمثلة فقالوا : إنّ العقرب تتولَّد من البادروج ولباب الخبز ، والنحل من العجل المحرق المكيس عظامه ، والفار من المدر والطين ونحو ذلك ثمّ يتوالد عن هذا المتولَّد أشخاص أخرى ويبقى نوعه متولدا فلا مانع إذن أن يكون الإنسان في أوّل خلقه كذلك فيحدث شخص من نوعه ويتكوّن من التراب ثمّ يحصل ما بعده من نوعه عنه بالتوالد إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ لفظ آدم إذا أطلق في عباراتهم فتارة يراد به أمر جزئيّ وتارة يراد به أمر كلَّي أمّا الجزئيّ فيراد به أوّل شخص تكوّن من هذا النوع ، وعلى ذلك يحملون قوله تعالى « إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ » ( 1 ) ويحملون قوله تعالى « إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ » وما في معناه على ما توالد منه ، وقد يراد منه أوّل شخص استخلف في الأرض وأمر بنشر الحكمة وناموس الشريعة ، وأمّا الكلَّي فتارة يراد بآدم مطلق نوع الإنسان ، وعلى ذلك كلَّه قوله تعالى « وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ » ( 2 ) وقد يراد به صنف الأنبياء والدعاة إلى اللَّه كما نقل عن سيّد المرسلين صلى اللَّه عليه وآله كلّ نبيّ فهو آدم وقته وقوله صلى اللَّه عليه وآله : أنا وأنت يا عليّ أبوا هذه الأمّة ، ويمكن أن يكون
شرح نهج البلاغة — صفحة 185
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٨٥
هامش
( 1 ) 3 - 52 .
( 2 ) 20 - 114 .