كان اشتغال نور النفس في فتيلة البدن عن الوجود الإلهيّ المعطي لكلّ قابل ما يستحقّه يشبه بحسب محاكاة خيالنا الضعف ما نشاهد من اشتغال النار في المحلّ القابل لها عن صورة النفخ لا جرم حسن التعبير والتجوّز بلفظ النفخ عن إفاضة الجود الإلهيّ للنفس على البدن لمكان المشابهة المتخيّلة وإن كان الأمر أجلّ ممّا عندنا وأعلى ، وأمّا نسبة الروح إلى اللَّه فاعلم أنّ الروح يحتمل أن يراد به أحد ثلاثة معان ، الأوّل جبرئيل عليه السّلام وهو روح اللَّه الأمين ونسبته إليه ظاهرة وأمّا نسبة النفخ إلى اللَّه حينئذ فلكونه العلَّة الأولى وجبرئيل واسطة جعله اللَّه تعالى مبدء في هذا اللفظ لنفخ النفس في صورة آدم منه ، الثاني جود اللَّه ونعمته وفيضه الصادر على آدم وغيره ، وإنّما كان ذلك روح لأنّه مبدء كلّ حياة فهو الروح الكليّة الَّتي بها قوام كلّ وجود ونسبته إليه ظاهرة ويكون من هاهنا للتبعيض ، الثالث أن يراد بالروح النفس الإنسانيّة ويكون من زائدة وإنّما نسب إليه دون سائر مصنوعاته اللطيفة لما علمت أنّ الروح منزّه عن الجهة والمكان وفي قوّته العلم بجميع الأشياء والاطَّلاع عليها ، وهذه مضاهاة ومناسبة بوجه ما مع العلَّة الَّتي ليست حاصلة لما عدا هذا الجوهر ممّا هو جسم أو جسمانيّ فلذلك شرّفها بالإضافة إليه وقوله فمثلث إنسانا إشارة إلى الصورة المجبولة ، وفيه لطيفة وهي أنّها إنّما كانت إنسانا وينفخ الروح فيها ولذلك رتّب وصيرورتها إنسانا بالفاء على نفخ الروح فيها ، وقوله ذا أذهان يجيلها إشارة إلى ما للإنسان من القوى الباطنة المدركة والمتصرّفة ومعنى إجالتها تحريكها وبعثها في انتزاع الصور الجزئيّة كما للحسّ المشترك والمعاني الجزئيّة كما للوهم ، وقوله وفكر يتصرّف بها إشارة إلى القوى المفكَّرة في آحاد النوع الإنساني وتصرّفها في تفتيش الخزانتين وتركيب بعض مودوعاتها ببعض وتحليلها ، وقوله وجوارح تختدمها إشارة إلى عامّة الأعضاء الَّتي بيّنا أنّها كلَّها خدم للنفس والأدوات الَّتي تقلَّبها من تلك يشبه أن يختصّ بالأيدي كقوله تعالى « وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى » ( 1 ) ويمكن أن يكون أعمّ من ذلك كالبصر والقلب كقوله عليه السّلام : يا مقلَّب القلوب والأبصار
شرح نهج البلاغة — صفحة 188
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٨٨
هامش
( 1 ) 18 - 40