فيصدق عليها اسم التقليب ، وقوله ومعرفة يفرق بها بين الحقّ والباطل إشارة إلى استعداد النفس لدرك المعقولات الثانية المسمّى عقلا بالملكة بحسب مالها من المعارف الأولى أعني البديهيّات فإنّ الحقّ والباطل أمور كلَّية وليس للقوى البدنيّة في إدراك الأمور الكلَّية حظَّ يحتمل أن يشير بالمعرفة إلى القوّة الاستعداديّة الأولى للإنسان المسمّاة عقلا هيولانيّا ، وقوله والأذواق والمشامّ والألوان والأجناس نبّه هاهنا على ثلاثة أمور : أحدها أنّ للإنسان آلة بها يدرك المذوقات ، وأخرى بها يدرك المشمومات ، وأخرى بها يدرك الألوان ، وقد بيّنا ذلك ، الثاني نبّه على أنّ النفس مدركة للجزئيات بواسطة هذه القوى إذ عدّها في نسق ما تتصرّف فيه النفس وتفرّق بينه وبين غيره ، الثالث أنّه أخرّ قوله والأجناس تنبيها على أنّ النفس تنتزع الأمور الكلَّية من تصفّح الجزئيّات فإنّ الأجناس أمور كلَّية والنفس بعد إدراك الجزئيّات وتصفحها تتنبّه لمشاركات بينها ومباينات فتنتزع منها تصوّرات كلَّية وتصديقات كلَّية وكأنّه عنى بالأجناس هاهنا الأمور الكلَّية مطلقا لا بعضها كما هو في الاصطلاح العلمي ، وقوله معجونا بطينة الألوان المختلفة النصب على الحال من قوله إنسانا أو الصفة له ، والمراد الإشارة إلى أنّ اختلاف أبدان النوع بعضها من بعض بالألوان بسبب قوّة استعداداتها لذلك كما قال صلى اللَّه عليه وآله : فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود كما سبق وطينة الألوان وأصلها ، وعجنه بها مزجه بها وتهيّئه وإعداده لقبولها على اختلافها وكذلك الحال في البدن الواحد فإنّه ليس لجملة أجزائه لون واحد فإنّ امتزاج بعض الأعضاء يقتضي أن يكون أبيض كالعظام والأسنان وبعضها أحمر كالدم وبعضها أسود كالحدقة والشعر ، وكذلك اختلاف الأشخاص في الصفات المكنّي بها عن الاختلاف الواردة في تمام الخبر من قوله : والسهل والخزن والخبيث والطيّب يرجع إلى أنّ الأرض لمّا كانت أكثر العناصر شركة في هذه الأبدان كان لاختلاف بقاعها أثر تامّ في تفاوت الامتزاج لقبول الأخلاق بالسهولة والحزونة والخبيث والطيّب ، وقوله والأشباه المؤتلفة والأضداد المتعادية والأخلاط المتبائنة من الحرّ والبرد والبلَّة والجمود والمساء والسرور أمّا الأشباه المؤتلفة فكالعظام والأسنان وأشباهها فإنّها أجسام متشابهة ائتلف بعضها مع بعض ، وبها قامت الصورة البدنيّة وامتزجت بطينتها ، وأمّا الأضداد المتعادية فكالكيفيّات
شرح نهج البلاغة — صفحة 189
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٨٩