فارحمني إنّك أرحم الراحمين لا إله إلَّا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علىّ إنّك أنت التوّاب الرحيم . الخامس قوله عايشة : لمّا أراد اللَّه تعالى أن يتوب على آدم طاف بالبيت سبعا والبيت حينئذ ربوة حمراء فلمّا صلَّى ركعتين استقبل القبلة ( البيت ) وقال : اللهمّ إنّك تعلم سرّي وعلانيتي فاقبل معذرتي ، وتعلم حاجتي فاعطني سؤلي ، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي اللهمّ إنّي أسئلك إيمانا تباشر به قلبي ، ويقينا صادقا حتّى أعلم أنّه لن يصيبني إلَّا ما كتبت لي ورضّني بما قسمت لي ، فأوحى اللَّه تعالى إليه يا آدم قد غفرت لك ذنبك ولن يأتيني أحد من ذرّيتك فيدعوني بمثل ما دعوتني به إلَّا قد غفرت ذنوبه وكشفت همومه ونزعت الفقر من بين عينيه وجاءته الدنيا وهو لا يريدها .
البحث التاسع - في حقيقة التوبة
قال الإمام الغزّالي : التوبة عبارة عن معنى مركَّب من ثلاثة أمور مترتّبة علم ثمّ حال ثمّ ترك ، أمّا العلم فأن يعلم العبد ضرر الذنوب وكونه حجابا بينه وبين اللَّه تعالى وقيدا يمنعه من دخول الجنّة فإذا علم ذلك بيقين غالب على قلبه فإنّ ذلك يوجب له تألَّما نفسانيّا بسبب فوات الخير العظيم المطلوب لكلّ عاقل فيسمّى تأمّله بسبب فعله المفوّت لمحبوبه ومطلوبه ندما فإذا غلب هذا الألم على القلب أوجب له القصد إلى أمرين : أحدهما ترك الذنوب الَّتي كان ملابسا لها أوّلا ، والثاني العزم على ترك الذنب المفوّت لمطلوبه في المستقبل إلى آخر العمر فهذه حقيقتها ، وينشأ من ذلك تلافي ما فات بالجبر والقضاء وإن كان قابلا للجبر ، والعلم هو الأصل في إظهار هذه الخيرات فإنّ القلب إذا أيقن بأنّ الذنوب كالسموم المهلكة والحجب الحائلة بينه وبين محبوبه فلا بدّ أن يتمّ نور ذلك اليقين فتشتعل فيه نيران الندم فيتألَّم به القلب وحينئذ ينبعث من تلك النار طلب الانتهاض للتدارك فالعلم والندم والقصد المتعلَّق بالترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي ثلاثة معان مترتّبة يطلق اسم التوبة على مجموعها ، وربّما أطلق اسم التوبة على الندم وحده وجعل العلم كالباعث والترك كالثمرة المتأخّرة ، ولهذا الاعتبار قال صلى اللَّه عليه وآله : الندم توبة إذ الندم مستلزم لعلم أوجبه ولعزم يتبعه ، وأمّا وجوبها فمن وجهين : أحدهما أنّ التوبة مرضاة للرحمن مسخطة للشيطان مفتّحة لأبواب الجنان معدّة لإشراق شموس المعارف الإلهيّة على ألواح النفوس مستلزمة للمواهب الربانيّة من
شرح نهج البلاغة — صفحة 177
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٧٧