تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥

حسده وعاداه ، وقال آخرون : إنّ السبب تباين أصليهما ولمنافرة الأصلين أثر قويّ في منافرة الفرعين قالوا وتباين أصليهما هو منشأ القياس الفاسد من إبليس حين أمر بالسجود وذلك قوله « أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ » ( 1 ) وكأنّه في خطابه يقول إنّ آدم جسمانيّ كثيف وأنا روحانيّ لطيف ، والجسمانيّ أدون حالا من الروحانيّ والأدون كيف يليق أن يكون مسجودا للأعلى ، وأيضا فإنّ أصل آدم من صلصال من حماء مسنون ، والصلصال في غاية الدناءة وأصلي من أشرف العناصر ، وإذا كان أصلي خيرا من أصله وجب أن أكون خيرا منه وأشرف ، والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدون . قالوا : فكان ذلك قياسا منه ، فأوّل من قاس هو إبليس فأجابه اللَّه تعالى جوابا على سبيل التنبيه دون التصريح اخرج منها مذؤما مدحورا ، قال بعض الفضلاء : وتقريره أنّ الَّذي قال تعالى نصّ بحكم الحكمة الإلهيّة والقدرة الربّانيّة ، والَّذي قاله إبليس قياس ومن عارض النصّ بالقياس كان مرجوما ملعونا . البحث السابع - احتجّت الأشعريّة على أنّه تعالى قدير أن يلق الكفر في الكافرين من هذه القصّة بوجهين أحدهما أنّه تعالى أنظر إبليس مع أنّه يعلم أنّه إنّما قصده إغواء بني آدم ولو أهلكه لاستراحوا وعدم الشرّ الحاصل منه ومن ذرّيّته ، الثاني قال أَغْوَيْتَنِي فنسب الإغواء إلى اللَّه تعالى مع أنّه لم ينكر عليه هذا الكلام وهذا صريح في أنّه تعالى يفعل الإغواء أجابت المعتزلة عن الأوّل بأنّ اللَّه تعالى خلق آدم وذرّيته قادرين على رفع إبليس عن أنفسهم فهم الَّذين اختاروا الكفر والفساد . أقصى ما في الباب أن يقال إنّ الاحتراز عن القبيح حال عدم إبليس أسهل منه حال وجوده إلَّا أنّ على هذا التقدير تصير وسوسته سببا لزيادة المشقّة في أداء الطاعات فيزداد المكلَّف بتكلَّفها ثوابا كما قال عليه السّلام : أفضل الأعمال أحمزها أي أشقّها وذلك لا يمنع الحكيم من فعله كما أنّ إنزال المشاقّ والآلام وإنزال المتشابهات صار سببا لزيادة الشبهات ومع ذلك لم يمتنع فعلها من اللَّه تعالى وهذا الوجه قريب من قوله عليه السّلام استماما للبليّة ، وعن الثاني أنّ المراد من قوله فَبِما أَغْوَيْتَنِي أي بما خيبّتني من رحمتك ، وقيل معنى إضافة غوايته إلى اللَّه تعالى أنّ اللَّه تعالى

هامش
( 1 ) 38 - 77