تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
قال ابن عبّاس في قوله تعالى « وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً » : أي لم نجده حفظا لما أمر اللَّه به ، وقال قتادة صبرا ، وقال الضحاك ضريمة أمر ، وحاصل هذه الأقوال يعود إلى أنّه لم يكن له قوّة على حفظ ما أمر اللَّه فكأنّه باع العزم الَّذي كان ينبغي له والقوّة الَّتي كان ينبغي أن يتحفّظ بها عن متابعة إبليس بالضعف والوهن عن تحمّل ما أمر اللَّه به ، الخامس قوله دار البليّة هي دار الدنيا إذ كانت دار المحنة والابتلاء بمقاساة إبليس ومجاهدته ، وسجن الصالحين كما قال عليه السّلام : الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر ، واعلم أنّ في ذكر هذه القصّة تحذيرا عظيما عن المعاصي وذلك من وجوه ، أحدها أنّ من تصوّر ما جرى على آدم بسبب إقدامه على هذه الزلَّة كان على وجل شديد من المعاصي قال الشاعر يا ناظرا نورا بعيني راغد * ومشاهدا للأمر غير مشاهد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجى * درك الجنان ونيل نور العابد أنسيت أنّ اللَّه أخرج آدما * منها إلى الدنيا بذنب واحد وعن فتح الموصلي أنّه قال : كنّا قوما من أهل الجنّة فسبانا إبليس إلى الدنيا فليس لنا إلَّا الهمّ والحزن حتّى نردّ إلى الدار الَّتي أخرجنا منها ، وثانيها التحذير عن الاستكبار والحسد والحرص عن قتادة في قوله تعالى « أَبى واسْتَكْبَرَ » قال : حسد عدوّ اللَّه إبليس آدم على ما أعطاه اللَّه تعالى من الكرامة فقال أنا ناريّ وهذا طينيّ ثمّ ألقى الحرص والحسد في قلب ابن آدم حتى حمله على ارتكاب المنهي عنه ، وثالثها أنّه تعالى بيّن العداوة الشديدة بين ذريّة آدم وإبليس هذا تنبيه عظيم على وجوب الحذر وباللَّه التوفيق ، الطريق الثاني واعلم أنّ من الناس من سلَّط التأويل على هذه القصّة وقبل بيان تأويلها ذكروا مقدّمات ، المقدّمة الأولى في الإشارة إلى أجزاء التركيب الخارجيّ للإنسان وكيفيّة تركيبها قالوا : إنّ العناصر الأربعة أجسام بسيطة وهي أجزاء أوّليّة لبدن الإنسان فمنها اثنان خفيفان ، وهما النار والهواء واثنان ثقيلان وهما الأرض والماء قالوا : والموضع الطبيعيّ للأرض هو وسط الكلّ وهي باردة يابسة في طبعها ووجودها في الكائنات مفيد للاستمساك والثبات وحفظ الشكل والهيئة والموضع الطبيعيّ للماء هو أن يكون شاملا للأرض وثقله إضافيّ وطبعه بارد رطب ووجوده في الكائنات لتسهّل الهيئات الَّتي يراد تكوينها من التشكيل والتخطيط والتعديل فإنّ الرطب كما
شرح نهج البلاغة — صفحة 179 | ابن ميثم البحراني