أنّه سهل الترك للهيئات الشكليّة فإنّه سهل القبول لها كما أنّ اليابس عسر القبول للهيئات الشكليّة عسر الترك لها ، ومهما تخمّر اليابس بالرطب استفاد اليابس منه قبول التمديد والتشكيل بسهولة واستفاد الرطب من اليابس حفظا لما حدث فيه من التعديل بقوّة فاجتمع اليابس بالرطب عن تشتّته ، واستمسك الرطب باليابس عن سيلانه والموضع الطبيعيّ للهواء فوق الماء وتحت النار وخفّته إضافيّة وطبعه حارّ رطب ووجوده في الكائنات ليتخلخل ويلطف ويسفل ، والموضع الطبيعيّ للنار فوق الأجرام العنصريّة كلَّها ، ومكانها الطبيعيّ هو مقعّر فلك القمر وخفّتها مطلقة وطبعها حارّ يابس ، ووجودها في الكائنات ليصلح المركَّبات ويجري فيها الجوهر الحيواني ، ولتكسر من يرد العنصرين الثقيلين بردّهما عن العنصريّة إلى المزاجيّة ، والثقيلان أنفع في تكون الأعضاء وفي سكونها ، والخفيفان أنفع في كون الأرواح وتحريكها وتحريك الأعضاء ثمّ قالوا : والمزاج كيفيّة تحدث من تفاعل الكيفيّات المتضادّة في هذه العناصر إذا تفاعلت بقواها بعضها في بعض فانكسر صورة كلّ واحد منها بالآخر حدثت عنها كيفيّة متشابهة في جميعها هي المزاج والقوى الأوليّة في تلك الأركان أربع الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، وهي الَّتي يكون عنها المزاجات في الأجسام الكائنة الفاسدة ثمّ إنّ واهب الوجود أعطى كلّ حيوان وكلّ عضو من المزاج ما هو أليق وأصلح لأفعاله بحسب احتمال الإمكان له ، وأعطى الإنسان أعدل الأمزجة الممكنة في هذا العالم مع مناسبة لقواه الَّتي بها يفعل وينفعل وأعطى كلّ عضو ما يليق به من أفعاله فجعل بعض الأعضاء أحرّ وبعضها أبرد وبعضها أرطب وبعضها أيبس وأمدّها بالأخلاط وهي أجسام رطبة سيّالة يستحيل إليها الغذاء أوّلا ، وهي منحصرة في أربعة أجناس : أحدها الدم وهو أفضلها ، والثاني البلغم والثالث الصفراء ، والرابع السوداء ، ثمّ قسّم الأعضاء إلى عظام وغضاريف وأعصاب وأوتار وجعل أوّل الأعضاء المتشابهة الأجزاء العظم وخلق صلبا لأنّه أساس البدن ودعامة الحركات ثمّ الغضروف وهو ألين من العظم وفائدته أن يحسن به اتّصال العظام بالأعضاء الليّنة فلا يتأذّى الليّن بالصلب عند الضعظة والضربة بل متوسّط بينهما ما يناسب كلَّا منهما وليحسن به تجاوز المفاصل المحاكَّة فلا تتراض لصلابتها ، ثمّ العصب وهي أجسام تنبت من الدماغ والنخاع بيض لدنة في الانعطاف صلبة في الانفصال ، وفائدتها أن تتمّ به الأعضاء
شرح نهج البلاغة — صفحة 180
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٨٠