لما أمره بالسجود لآدم عصى وغوى فكان الباري هو الأصل في حصول الإغواء له فلذلك نسبه إليه ، واحتجّ أيضا من جواز الخطاء على الأنبياء عليهم السّلام من هذه القصّة بقوله تعالى « وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى » وأجاب من أوجب عصمتهم من حين الولادة بأنّه لمّا دلّ الدليل على وجوب عصمتهم وجب صرف هذا اللفظ ونحوه على ترك الأولى وهو في حقّهم سيّئة ومعصية وإن كان في حقّ غيرهم حسنة كما قال حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين ومن أوجب عصمتهم من حين الرسالة فله أن يحمل هذه المعصية على ما قبل الرسالة والمسألة مستقصاة في الكلام .
البحث الثامن
- قال القفّال أصل التلقّي في قوله « فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ » وقوله عليه السّلام ولقّاه كلمة رحمته هو التعرّض للقادم وضع في موضع الاستقبال للمسيء والجاني ثمّ وضع موضع القبول والأخذ قال تعالى « وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ » أي تلقّنه ويقال تلقّينا الحاجّ أي استقبلناهم وتلقيّت هذه الكلمة من فلان أي أخذتها منه ، وإذا كان هذا أصل الكلمة وكان من تلقّى رجلا فتلاقيا لقى كلّ واحد منهما صاحبه وأضيف بالاجتماع إليهما معا فصلح أن يشتركا في الوصف بذلك فكلّ ما تلقيته فعد تلقاك فجاز أن يقال تلقّى آدم ربّه كلمات أي أخذها ووعاها واستقبلها بالقبول ، ولقّاه اللَّه إيّاها أي أرسلها إليه وواجهه بها ، ثمّ ذكر المفسّرون في ذلك الكلمات أقوالا : الأوّل روى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس - رضى اللَّه - عنه أنّ آدم عليه السّلام قال يا ربّ ألم تخلقني بيدك بلا واسطة قال : بلى قال : ألم تسكنّي جنّتك قال : بلى قال : ألم تسبق رحمتك غضبك قال : بلى قال : إن تبت وأصلحت أتردّني إلى الجنّة قال : نعم ، وهو قوله تعالى « فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ » ، الثاني قال النخعيّ : أتيت ابن عبّاس فقلت : ما الكلمات الَّتي تلقّاها آدم من ربّه قال : علَّم اللَّه تعالى آدم وحوّا أمر الحجّ والكلمات الَّتي يقال فيه فحجّا فلمّا أفرغا أوحى اللَّه تعالى إليهما إنّي قد قبلت توبتكما ، الثالث قال مجاهد وقتادة وفي إحدى الروايتين عنهما : هي قوله ، « رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ » الرابع قال سعيد بن جبير : إنّها قوله لا إله إلَّا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنّك خير الغافرين لا إله إلَّا أنت سبحانك وبحمدك عملت سواء وظلمت نفسي
شرح نهج البلاغة — صفحة 176
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٧٦