والأبيض والأسود وبين ذلك ، والسهل والحزن والخبيث والطيّب ، واعلم أنّ جمهور المفسّرين على أن الإنسان في قوله تعالى « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ » هو أبونا آدم عليه السّلام ونقل عن محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام أنّه قال : قد انقضى قبل آدم الَّذي هو أبونا ألف ألف آدم وأكثر قال بعض العلماء : وهذا لا ينافي حدوث العالم فإنّه كيف كان لا بدّ من الانتهاء إلى إنسان هو أوّل الناس فأمّا أنّ ذلك الإنسان هو أبونا آدم فلا طريق إلى إثباته إلَّا من جهة السمع .
البحث الثالث أجمع المسلمون على أنّ سجود الملائكة لآدم لم يكن سجوده عبادة
لأنّ العبادة لغير اللَّه كفر ، ثمّ اختلفوا على ثلاثة أقوال . الأوّل أنّ ذلك السجود كان للَّه وكان آدم كالقبلة وكما يحسن أن يقال سجدوا لآدم كذلك يحسن أن يقال سجدوا للقبلة بدليل قول حسّان بن ثابت :
ما كنت أحسب أنّ الأمر منصرف * عن هاشم ثمّ منها عن أبي حسن
أليس أوّل من صلَّى لقبلتكم * وأعرف الناس بالآيات والسنن
فقوله صلَّى لقبلتكم نصّ على المقصود . الثاني أنّ السجود كان لآدم تعظيما له وتحيّة كالسلام منهم عليه ، وقد كان الأمم السالفة تفعل ذلك كما يحيّى المسلمون بعضهم بعضا ، وعن صهيب أنّ معاذا - رضى اللَّه عنه - لمّا تقدّم من اليمن سجد للنبيّ صلى اللَّه عليه وآله فقال له : يا معاذ ما هذا فقال : رأيت اليهود تسجد لعظمائها وعلماءها ورأيت النصارى تسجد لقسّيسها وبطارقتها فقلت ما هذا فقالوا : تحيّة الأنبياء فقال صلى اللَّه عليه وآله كذبوا على أنبيائهم . الثالث أنّ السجود في أصل اللغة عبارة عن الانقياد والخضوع كمال قال الشاعر :
ترى الأكم فيها سجّدا للحوافر
أي أنّ تلك الجبال الصغار كانت مذلَّلة لحوافر الخيل ، ومنه قوله تعالى « وَالنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ » والقول الثاني هو مقتضى كلامه عليه السّلام إذ فسّر السجود به فقال والخضوع لتكرمته ، وباللَّه التوفيق .
البحث الرابع - اختلفوا في الملائكة الَّذين أمروا بالسجود لآدم
فاستعظم بعضهم سجود ملائكة السماء له ، وقالوا المأمورون بذلك هم الملائكة الَّذين اهبطوا مع إبليس إلى الأرض قالوا وذلك أنّ اللَّه تعالى لمّا خلق السماوات والأرض وخلق الملائكة اهبط منهم
شرح نهج البلاغة — صفحة 173
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٧٣