عدم التفطَّن للشيء وعدم تعقّله بالفعل وهى أعمّ من السهو والنسيان وكالجنس لهما ، بيان ذلك أنّ السهو هو الغفلة عن الشيء مع بقاء صورته أو معناه في الحيال أو الذكر بسبب اشتغال النفس والتفاتها إلى بعض مهّماتها ، وأمّا النسيان فهو الغفلة عنه مع انمحاء صورته أو معناه عن إحدى الخزانتين بالكلَّية ولذلك يحتاج الناسي للشيء إلى تجشّم كسب جديد وكلفة في تحصيله ثانيا ، وبهذا يظهر الفرق بين الغفلة والسهو والنسيان ، وإذا عرفت ذلك ظهر أنّ هذه الأمور الثلاثة من لواحق القوى الإنسانيّة فوجب أن تكون مسلوبة عن الملائكة السماويّة لسلب معروضاتها عنهم ، ولمّا ذكر سهو العقول ونفاه عنهم أردفه بسلب ما هو أعمّ منه وهو الغفلة لاستلزام سلبها سلب النسيان ، وقد كان ذلك كافيا في سلب النسيان إلَّا أنّه أضاف الغفلة إليه ليتأكَّد سلبه بسلبها ، وأمّا قوله ولا فترة الأبدان ، فلأنّ الفترة هي وقوف الأعضاء البدنيّة عن العمل وقصورها بسبب تحلَّل الأرواح البدنيّة وضعفها ورجوعها للاستراحة ، وكلّ ذلك من توابع المزاج الحيوانيّ فلا جرم صدق سلبها عنهم . قوله ومنهم امناء على وحيه وألسنة إلى رسله مختلفون بقضائه وأمره يشبه أن يكون هذا القسم داخلا في الأقسام السابقة من الملائكة ، وإنّما ذكره ثانيا باعتبار وصف الأمانة على الوحي والرسالة والاختلاف بالأمر إلى الأنبياء عليهم السلام وغيرهم لأنّ من جملة الملائكة المرسلين جبرئيل عليه السلام وهو من الملائكة المقربّين ، واعلم أنّه لمّا ثبت أنّ الوحي وسائر الإفاضات من اللَّه تعالى على عباده إنّما هو بواسطة الملائكة كما علمت كيفيّة ذلك لا جرم صدق أنّ منهم امناء على وحيه وألسنة إلى رسله إذ كان الأمين هو الحافظ لما كلَّف بحفظه على ما هو عليه ليؤدّيه إلى مستحقّه ، وإفاضة الوحي النازل بواسطة الملائكة محفوظة نازلة كما هي مبرّاة عن الخلل الصادرة عن سهو لعدم معروضات السهو هناك أو عن عمد لعدم الداعي إليه ولقوله تعالى « يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ » ( 1 ) وأمّا كونهم ألسنة إلى رسله فهي استعارة حسنة إذ يقال : فلان لسان قومه أي المفصح عن أحوالهم والمخاطب عنهم فيطلق عليه اسم اللسان لكونه مفصحا عمّا في النفس ، ولمّا كانت الملائكة وسائط بين الحقّ سبحانه وبين رسله في تأدية خطابه الكريم إليهم لا جرم حسن استعارة
شرح نهج البلاغة — صفحة 162
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٦٢
هامش
( 1 ) 16 - 52