تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
البحث الرابع - أنّه عليه السّلام ذكر من الملائكة أنواعا وأشار بالسجود والركوع والصفّ والتسبيح إلى تفاوت مراتبهم في العبادة والخشوع ، وذلك أنّ اللَّه سبحانه قد خصّ كلَّا منهم بمرتبة معيّنة من الكمال في العلم والقدرة لا يصل إليها من دونه ، وكلّ من كانت نعمة اللَّه عليه أكمل وأتمّ كانت عبادته أعلى وطاعته أو في ثمّ إنّ السجود والركوع والصفّ والتسبيح عبادات متعارفة بين الخلق ومتفاوتة في استلزام كمال الخضوع والخشوع ، ولا يمكن حملها على ظواهرها المفهومة منها لأنّ وضع الجبهة على الأرض وانحناء الظهر والوقوف في خطَّ واحد وحركة اللسان بالتسبيح أمور مبنيّة على وجود هذه الآلات الَّتي هي خاصّة ببعض الحيوانات فبالحريّ أن يحمل تفاوت المراتب المذكورة لهم على تفاوت كمالاتهم في الخضوع والخشوع لكبرياء اللَّه وعظيمته إطلاقا للَّفظ الملزوم على لازمه على أنّ السجود في اللغة هو الانقياد والخضوع كما مرّ . إذا عرفت ذلك فنقول : يحتمل أن يكون قوله عليه السّلام منهم سجود إشارة إلى مرتبة الملائكة المقرّبين لأنّ درجتهم أكمل درجات الملائكة فكانت نسبة عبادتهم وخضوعهم إلى خضوع من دونهم كنسبة خضوع السجود إلى خضوع الركوع . فإن قلت إنّه قد تقدّم أنّ الملائكة المقرّبين مبرّؤون عن تدبير الأجسام والتعلَّق بها فكيف يستقيم أن يكونوا من سكَّان السماوات ومن الأطوار الَّذين ملئت بهم . قلت : إنّ علاقة الشيء بالشيء وإضافته إليه يكفي فيها أدنى مناسبة بينهما ، والمناسبة هاهنا حاصلة بين الأجرام السماويّة وبين هذا الطور من الملائكة وهي مناسبة العلَّة للمعلول أو الشرط للمشروط فكما جاز أن ينسب الباري جلّ جلاله إلى الاختصاص بالعرش والاستواء عليه في لفظ القرآن الكريم مع تنزيهه تعالى وتقدّسه من هذا الظاهر ولم يجر في الحكمة أن يكشف للخلق من عظمة الحقّ سبحانه أكثر من هذا القدر فكذلك جاز أن ينسب الملائكة المقرّبون إلى الكون في السماوات بطريق الأولى وإن تنزّهوا عن الأجسام وتدبيرها لأنّ عليّا عليه السّلام قاصد قصد الرسول صلى اللَّه عليه وآله وقصد القرآن الكريم وناطق به فليس له أن يفصح بما تنبوا عنه الأفهام ، وباللَّه التوفيق . قوله وركوع يشبه أن يكون إشارة إلى حملة العرش إذا كانوا أكمل ممّن دونهم فكانت نسبة عبادتهم إلى عبادة من دونهم كنسبة خضوع الركوع إلى خضوع الصفّ . قوله وصافّون يحتمل أن يكون إشارة إلى الملائكة الحافّين من حول العرش قيل :