للمتخيّلات البهيّة الحسنة وللفرح والسرور كما ينسب في المشهور إلى روحانيّتهما من الأفعال الحسنة نسب تلقّى الإنسان بعد المفارقة بالرأفة والرحمة والشفقة إلى روحانيّتهما ، واللَّه أعلم ، وأمّا الخزنة للجنان فيشبه أن يكون هم السكَّان لها أيضا باعتبار آخر ، وذلك أنّه لمّا كان الخازن هو المتولَّي لأحوال أبواب الخزانة بفتحها وتفريق ما فيها على مستحقّها بإذن ربّ الخزانة ومالكها وغلقها ومنعها عن غير مستحقّها وكانت الملائكة هم المتولَّون لإفاضة الكمالات وتفريق ضروب الإحسان والنعم على مستحقيّها وحفظها ومنعها من غير مستحقّيها والمستعدّين بالطاعة لها بإذن اللَّه وحكمته لا جرم صدق أنّهم خزّان الجنان بهذا الاعتبار ، وهم الَّذين يدخلون على المؤمنين من كلّ باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار . قال بعض الفضلاء : إنّ العبد إذا راض نفسه حتّى استكمل مراتب القوّة النظرية ومراتب القوّة العمليّة فإنّه يستعدّ بكلّ مرتبة من تلك المراتب لكمال خاصّ يفاض عليه من اللَّه تعالى ويأتيه الملائكة فيدخلون عليه من كلّ باب من تلك الأبواب فالملك الَّذي يدخل على الإنسان منه رضاء اللَّه كما قال تعالى « رَضِيَ الله عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْهُ » هو رضوان خازن الجنان واللَّه أعلم ، وأمّا ملائكة النار فقال بعض الفضلاء : هي تسعة عشر نوعا من الزبانية لا يعصون اللَّه ما أمرهم وهم الخمسة الَّذين ذكرنا أنّهم يوردون عليه الأخبار من خارج ، ورئيسهم والخازنان والحاجب والملك المتصرّف بين يديه بإذن ربّه ، وملكا الغضب والشهوة ، والسبعة الموكَّلون بأمر الغذاء وذلك أنّه إذا كان يوم الطامّة الكبرى وكان الإنسان ممّن طغى وآثر الحياة الدنيا حتّى كانت الجحيم هي المأوى كانت أولئك التسعة عشر من الزبانية هم الناقلين له إلى الهاوية بسبب ما استكثر من المشتهيات ، واقترف من السيّئات وأعرض عن قوله تعالى « وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الأَوْفى وأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى » واعلم وفّقك اللَّه أنّ هؤلاء الَّذين ذكر هذا القائل أنّهم ملائكة النار ربّما كانوا أيضا مع إنسان آخر من ملائكة الجنان وذلك إذا استخدمهم ذلك الإنسان في دار الدنيا على وفق أوامر اللَّه وأوفقهم على طاعة اللَّه دون أن يطلب منهم فوق ما خلقو الأجلة وأمروا به من طاعته ويعبّر بهم إلى معصية اللَّه وارتكاب نواهيه ومحارمه وباللَّه التوفيق .
شرح نهج البلاغة — صفحة 159
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٥٩