إنّهم يقفون صفوفا لأداء العبادة كما أخبر تعالى عنهم « وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ » وتحقيق ذلك أنّ لكلّ واحد منهم مرتبة معيّنة ودرجة معيّنة من الكمال يخصّه وتلك الدرجات باقية غير متغيّرة وذلك يشبه الصفوف ، وممّا يؤيّد القول بأنّهم الحافّون حول العرش ما جاء في الخبر أنّ حول العرش سبعين ألف صفّ قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير ومن ورائهم مائة ألف صفّ قد وضعوا الأيمان على الشمائل ما منهم أحد إلَّا وهو يسبّح . قوله ومسبّحون يحتمل أن يكون المراد بهم الصافّون وغيرهم من الملائكة ، والواو العاطفة وإن اقتضت المغائرة إلَّا أن المغائرة حاصلة إذ هم من حيث هم صافّون غيرهم من حيث هم مسبّحون وتعدّد هذه الاعتبارات يسوّغ تعديد الأقسام بحسبها وعطف بعضها على بعض ، ويؤيّد ذلك الجمع بين كونهم صافّين وبين كونهم مسبّحين في قوله تعالى « وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ » ويحتمل أن يريد نوعا وأنواعا أخر من ملائكة السماوات ، فأمّا سلب الركوع عن الساجدين ، وسلب الانتصاب عن الراكعين ، وسلب المزائلة عن الصافّين ، وسلب السأم عن المسبّحين فإشارة إلى كمال في مراتبهم المعينّة كلّ بالنسبة إلى من هو دونه وتأكيد لها بعدم النقصانات اللاحقة فإنّ الركوع وإن كان عبادة إلَّا أنّه نقصان بالنسبة إلى السجود ، والانتصاب نقصان في درجة الراكع بالنسبة إلى ركوعه ، وكذلك التزايل عن مرتبة الصفّ نقص فيها ، وكذلك السأم في التسبيح نقصان فيه وإعراض عن الجهة المقصودة به وأيضا فالسأم والملال عبارة عن إعراض النفس عن الشيء بسبب كلال بعض القوى الطبيعيّة عن أفعالها ، وذلك غير متصوّر في حقّ الملائكة السماويّة ، وأمّا سلب غشيان النوم عنهم في قوله لا يغشاهم نوم العيون فهو ظاهر الصدق ، وبيانه أنّ غشيان النوم لهم مستلزم لصحّة النوم عليهم واللازم باطل في حقّهم فالملزوم مثله أمّا الملازمة فظاهرة ، وأمّا بطلان اللازم فلأنّ النوم عبارة عن تعطيل الحواسّ الظاهرة عن أفعالها لعدم انصباب الروح النفسانيّ إليها ورجوعها بعد الكلال والضعف ، والملائكة السماويّة منزّهون عن هذه الأسباب والآلات ، فوجب أن يكون النوم غير صحيح في حقهم فوجب أن لا يغشاهم ، وأمّا سلب سهو العقول وغفلة النسيان ، فاعلم أنّ الغفلة عبارة عن
شرح نهج البلاغة — صفحة 161
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٦١