الحفظة للعباد هي القوى الَّتي أرسلها اللَّه تعالى من سماء جوده على الأبدان البشريّة : يحتمل أن يكون الحفظة على العباد هي مبادئ تلك القوى ، ويكون معنى كتبه السيّئات والحسنات وضبطهما على العباد إمّا باعتبار ما يصدر ويتعدّد عن العبد من السيّئات والحسنات في علم تلك المباديء أو يكون معناها كتبه صور الأفعال الخيريّة والشرية إلى العبد بقلم الإفاضة في لوح نفسه بحسب استعدادها لذلك قال : ويشبه أن تكون إشارة ابن عبّاس بانتظار ملك اليسار كاتب السيّئات توبة العبد إلى أنّه ما دامت السيّئة حالة غير ممكنة من جوهر نفس العبد فإنّ رحمة اللَّه تعالى تسعه فإذا تاب من تلك السيّئة لم تكتب في لوح نفسه ، وإن لم يتب حتّى صارت ملكة راسخة في نفسه كتبت وعذّب بها يوم تقوم الساعة . قال : ويحتمل أن يكون الحفظة على العباد هم بأعيانهم من الحفظة لهم فإنّ النفس تحفظ في جوهرها ما يفعله من خير وشرّ وتحصيه يوم البعث على نفسها إذا زالت عنها الغواشي البدنيّة وتجده مصوّرا مفصّلا لا تغيب عنها منه شيء كما قال تعالى « يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً » ( 1 ) وكما قال تعالى « وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً » ( 2 ) وكما قال « إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ » ( 3 ) وقال : وأمّا معنى كونهم من ملائكة السماء فلأنّ أصلهم من ملائكة السماء ثمّ ارسلوا إلى الأرض ، واللَّه اعلم ، وأمّا السدنة لأبواب جنانه فقد عرفت ما قيل فيهم . قوله فمنهم الثابتة في الأرضيين السفلى أقدامهم المارقة من السماء العليا أعناقهم والخارجة من الأركان أقطارهم والمناسبة لقوائم العرش أكنافهم : فاعلم أنّ هذه الأوصاف وردت في صفة الملائكة الحاملين للعرش في كثير من الأخبار فيشبه أن يكونوا هم المقصودون بها هاهنا ، وروى عن ميسرة أنّه قال : أرجلهم في الأرض السفلى رؤسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم وهم أشدّ خوفا من أهل السماء السابعة ، وأهل السماء السابعة أشدّ خوفا من أهل السماء السادسة وهكذا إلى سماء الدنيا ، وعن ابن عباس قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله : لا تتفكرّوا في عظمة ربّكم ولكن تفكَّروا فيما خلق من الملائكة فإنّ خلقا منهم يقال له إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه في الأرض السفلى وقد مرق رأسه
شرح نهج البلاغة — صفحة 164
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٦٤
هامش
( 1 ) 3 - 28
( 2 ) 17 - 14
( 3 ) 100 - 9