« ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ - وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ » ( 1 ) ، وأمّا ملائكة الجنّة فاعلم أنّ الجنان المذكورة في القرآن ثمان ، وهى جنّة النعيم وجنّة الفردوس وجنّة الخلد وجنّة المأوى وجنّة عدن ودار السلام ودار القرار وجنّة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتّقين ، ومن وراء الكلّ عرش الرحمن ذي الجلال والإكرام . إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ لهذه الجنان سكَّانا وخزّانا من الملائكة ، أمّا السكَّان فهم الَّذين عند ربّك لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحضرون يسبّحون الليل والنهار لا يفترون وهم الَّذين يتلَّقون عباد اللَّه الصالحين المخلصين بالشفقة والبشارة بالجنّة ، وذلك أنّ الإنسان الطائع إذا أكملت طاعته وبلغ النهاية في الصورة الإنسانيّة واستحقّ بأعماله الصالحة وما اكتسبه من الأفعال الزكيّة صورة ملكيّة ورتبة سماويّة تلقّيه الملائكة الطيّبون بالرأفة والرحمة والشفقة ، وتقبّلوه بالروح والريحان ، وقبلوه كما تقبل القوابل والدايات أولاد الملوك بفاخر أمور الدنيا وطيّبات روائحها من مناديل السندس والإستبرق ، وبالفرح والسرور مرّوا به إلى الجنّة فيعاين من البهجة والسرور ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، ويبقي معهم عالما درّاكا ما شاء ربّك عطاء غير مجذوذ ، ويتّصل بإخوانه المؤمنين في الدنيا أخباره وأحواله ويتراءى لهم في مناماتهم بالبشارة والسعادة وحسن المنقلب ، وإذا كان يوم القيامة الكبرى عرجت به ملائكة الرحمة إلى جنان النعيم والسرور المقيم لا يذوقون فيها الموت إلَّا الموتة الأولى في غرف من فوقها غرف مبنيّة تجري من تحتهم الأنهار وآخر دعويهم أن الحمد اللَّه ربّ العالمين . قال بعض حكماء الإسلام : إنّ تلك الملائكة المتلَّقية له بالروح والريحان هي روحانيّات الزهرة والمشتري وكأنّ القائل يقول : إنّ النفوس الإنسانيّة السعيدة إذا فارقت أبدانها وحملت القوّة المتوهّمه معها والهيئات المتخيّلة الَّتي حصلت من الوعد الكريم في دار الدنيا من الجنان والحدائق والأنهار والأثمار والحور العين والكأس المعين واللؤلؤ والمرجان والولدان والغلمان فإنّه يفاض عليها بحسب استعدادها وطهارتها ورجاء ثواب الآخرة صور عقليّة في غاية البهاء والزينة مناسبة لما كانت متخيّلة من الأمور المذكورة مناسبة ما ، ولمّا كان لهذين الكوكبين أثر تامّ في إعداد النفوس
شرح نهج البلاغة — صفحة 158
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٥٨
هامش
( 1 ) 50 - 20 .