بالتحريك والإرادة بإذن اللَّه عزّ وجلّ ، كذلك ملائكة العناصر والجبال والبحار والبراري والغفار وسائر المركَّبات من المعدن والنبات والحيوان المسخّر كلّ منها لفعله المخصوص على اختلاف مراتبها ، فأمّا الملائكة الحافظون الكرام الكاتبون فلهم فيها أقوال . أحدها قال بعضهم : إنّ اللَّه تعالى خلط الطبائع المتضادّة ومزّج بين العناصر المتنافرة حتّى استعدّ ذلك الممتزج بسبب ذلك الامتزاج لقبول النفس المدبّرة والقوى الحسيّة والمحرّكة ، فالمراد بتلك الحفظة الَّتي أرسلها اللَّه هي تلك النفوس والقوى الَّتي يحفظ تلك الطبائع المقهورة على امتزاجاتها وهى الضابطة على أنفسها أعمالها ، والمكتوب في ألواحها صور ما تفعله لتشهد به علي أنفسها يوم القيامة كما قال تعالى « قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ » ( 1 ) وهى المعقّبات من بين يدي الإنسان ومن خلفه الحافظون له من أمر اللَّه ، وقيل : الحفظة للعباد غير الحفظة على العباد والكاتبين لأعمالهم ، وسنشير إلى ذلك . والثاني قال بعض القدماء : إنّ هذه النفوس البشريّة والأرواح الإنسانيّة مختلفة بجواهرها ، فبعضها خيّرة وبعضها شريرة ، وكذا القول في البلادة والزكاء والفجور والعفّة والحريّة والنذالة والشرف والدنائة ، وغيرها من الهيئات ، ولكلّ طائفة من هذه الأرواح السفليّة روح سماويّ هو لها كالأب المشفق والسيّد الرحيم يعينها على مهمّاتها في يقظتها ومناماتها تارة على سبيل الرؤيا وأخرى على سبيل الإلهامات ، وهى مبدء لما يحدث فيها من خير وشرّ ، وتعرف تلك المباديء في مصطلحهم بالطياع التامّ يعنى أنّ تلك الأرواح الفلكيّة في تلك الطباع والأخلاق تامّة كاملة بالنسبة إلى هذه الأرواح السفليّة وهى الحافظة لها وعليها كما قال تعالى « فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ » ( 2 ) الثالث قول بعضهم : إنّ للنفوس المتعلَّقة بهذه الأجساد مشاكله ومشابهة مع النفوس المفارقة عن الأجساد فيكون لتلك المفارقة ميل إلى النفوس الَّتي لم تفارق فيكون لها تعلَّق أيضا بوجه ما بهذه الأبدان بسبب ما بينها وبين نفوسها من المشابهة والموافقة فتصير معاونة لهذه النفوس على مقتضى طباعها ، وشاهدة عليها كما قال تعالى :
شرح نهج البلاغة — صفحة 157
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٥٧
هامش
( 1 ) 6 - 130 .
( 2 ) 80 - 15 .