لَهُ الْخَلْقُ والأَمْرُ » ثمّ قالوا : ما من موجود في عالم الجسمانيّة إلَّا وله نسبة إلى عالم الروحانيّة وهو مثال له بوجه ما ولولا ذلك لأنسدّ طريق الترقّي إلى العالم الروحانيّ وتعذّر السفر إلى الحضرة الإلهيّة ، ثمّ كان من بحثهم أن بيّنوا أنّ قدرة اللَّه سبحانه ترجع إلى كون ذاته عاملة بالكلّ علما هو مبدء الكلّ مبدئيّة بالذات غير مأخوذة عن شيء ولا متوقّفة على وجود شيء ، ثمّ لمّا دلّ دليلهم على أنّ رتبة صدور عالم الأمر أعلى في الوجود وأسبق نسبة إلى قدرة المبدع الأوّل من عالم الخلق إذ كان صدور عالم الخلق إنّما هو بواسطة عالم الأمر كان اعتبار إيجاد عالم الأمر عن القدرة أمرا أوّلا واعتبار إيجاد عالم الخلق عنها أمرا ثانيا متأخّرا عنه فعند ذلك قالوا : إنّ الَّذي أشار إليه عليه السّلام هاهنا موافق لما أصّلناه ومتناسب له ، وذلك أنّه أشار بالأجواء والأرجاء وسكائك الهواء إلى سلسلة وجود الملائكة المسمّاة بالعقول الفعّالة على مراتبها متنازلة ، وبإنشائها إلى إيجادها ، وبفتقها وشقّها إلى وجودها ، وبالماء المتلاطم المتراكم إلى الكمالات الَّتي وجبت عنه سبحانه وبإجرائها فيها إلى إفاضته على كلّ واحد منها ما استحقّه بواسطة ما قبله ، وبالريح العاصف إلى الأمر الأوّل الَّذي أشرنا إليه عن القدرة ، وأمّا وجه المناسبة بين هذه الأمور وبين ما ذكره فأمّا في التعبير عن العقول بالأرجاء والأجواء والسكائك فمن جهة أنّها قابلة للفيض والكمالات عن مبدئها الأوّل كما أنّ الأرجاء والأجواء وسكائك الهواء قابلة للماء عمّا يخرج عنه من سحاب أو ينبوع ، وأمّا في تشبيه الفيض بالماء فلأنّه لمّا لم يكن بحيث يتوقّف إلَّا على تمام القابل فحيث وجد سال بطبعه إليه كذلك الفيض الإلهيّ لا يتوقّف صدوره عن واهبه إلَّا على تمام القابل لكون الفاعل تامّ الفاعليّة في ذاته ، ولأنّ الماء لمّا كان به قوام كلّ حيّ جسمانيّ في عالم الكون كذلك الفيض الإلهيّ هو مبدء قوام كلّ موجود قالوا : ومثل هذا التشبيه جاء في القرآن الكريم قال جمهور المفسّرين ومنهم ابن عباس - رضى اللَّه عنه - في قوله تعالى « أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها » ( 1 ) : إنّ المراد بالماء هو العلم ، وبالأودية قلوب العباد ، وبإنزاله إفاضته على القلوب ، وبقوله فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها أنّ كلّ قلب منها يصل إليه مقدار ما يستحقّه ويقبله . قالوا : وذلك أنّ اللَّه سبحانه أنزل من سماء الكبرياء والجلالة
شرح نهج البلاغة — صفحة 143
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٤٣
هامش
( 1 ) 13 - 18