الهواء أمور عدميّة فكيف يصحّ نسبتها إلى الإنشاء عن القدرة . قلت : إنّ هذه الأشياء عبارة عن الخلاء والأحياز ، والخلاف في أنّ الخلاء والحيّز والمكان هل هي أمور وجوديّة أو عدميّة مشهور فإن كانت وجوديّة كانت نسبتها إلى القدرة ظاهرة ، ويكون معنى فتقها وشقّها ونسبتها إلى القدرة تقديرها وجعلها أحيازا للماء ومقرّا له لأنّه لمّا كان تمييزها عن مطلق الهواء والخلاء بإيحاد اللَّه فيها الماء صار تعيّنها له بسبب قدرته تعالى فيصحّ نسبتها إلى إنشائه فكأنّه سبحانه شقّها وفتقها بحصول الجسم فيها ، روي أنّ زرارة وهشاما اختلفا في الهواء أهو مخلوق أم لا فرفع بعض موالي الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام إليه ذلك وقال : إنّي متحيّر وأرى أصحابنا يختلفون فيه فقال عليه السّلام : ليس هذا بخلاف يؤدّي إلى الكفر والضلال ، واعلم أنّه عليه السّلام إنّما أعرض عن بيان ذلك لأنّ أولياء اللَّه الموكَّلين بإيضاح سبيله وتثبيت خلقه على صراط المستقيم لا يلتفتون بالذات إلَّا إلى أحد أمرين ، أحدهما ما يؤدّي إلى الهدى أداء ظاهرا واضحا ، والثاني ما يصرف عن الضلال ويردّ إلى سواء السبيل ، وبيان أنّ الهواء مخلوق أو غير مخلوق لا يفيد كثير فائدة في أمر المعاد فلا يكون الجهل به ممّا يضرّ في ذلك فكان ترك بيانه والاشتغال بما هو أهمّ منه أولى .
البحث الرابع أنّ القرآن الكريم نطق بأنّ السماء تكوّنت من الدخان
وكلامه عليه السّلام ناطق بأنّها تكوّنت من الزبد وما ورد في الخبر أنّ ذلك الزبد هو الَّذي تكوّنت منه الأرض فلا بدّ من بيان وجه الجمع بين هذه الإشارات . فنقول : وجه الجمع بين كلامه عليه السّلام وبين لفظ القرآن الكريم ما ذكره الباقر عليه السّلام وهو قوله فيخرج من ذلك الموج والزبد دخان ساطع من وسطه من غير نار فخلق منه السماء ولا شكّ أنّ القرآن الكريم لا يريد بلفظ الدخان حقيقته لأنّ ذلك إنّما يكون عن النار واتّفق المفسّرون على أنّ هذا الدخان لم يكن عن نار بل عن تنفّس الماء وتبخيره بسبب تموّجه ، فهو إذن استعارة للبخار الصاعد من الماء وإذا كان كذلك فنقول : إنّ كلامه عليه السّلام مطابق للفظ القرآن الكريم وذلك أنّ الزبد بخار يتصاعد على وجه الماء عن حرارة حركته إلَّا أنّه ما دامت الكثافة غالبة عليه وهو باق على وجه الماء لم ينفصل فإنّه يخصّ باسم الزبد وما لطف وغلبت عليه الأجزاء الهوائيّة فانفصل خصّ باسم البخار ، وإذا كان الزبد بخارا والبخار هو المراد بالدخان
شرح نهج البلاغة — صفحة 141
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٤١