تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
في القرآن الكريم كان مقصده ومقصد القرآن واحد فكان البخار المنفصل هو الَّذي تكوّنت عنه السماوات والَّذي لم ينفصل هو الَّذي تكوّنت عنه الأرض وهو الزبد ، وأمّا وجه المشابهة بين الدخان والبخار الَّذي صحّت لأجله استعارة لفظه فهو أمران : أحدهما حسّي وهو الصورة المشاهدة من الدخان والبخار حتّى لا يكاد يفرق بينهما في الحسّ البصري ، والثاني معنويّ وهو كون البخار أجزاء مائيّة خالطت الهواء بسبب لطافتها عن حرارة الحركة كما أنّ الدخان كذلك ولكن عن حرارة النار فإنّ الدخان أيضا أجزاء مائيّة انفصلت من جرم المحترق بسبب لطافتها عن حرّ النار فكان الاختلاف بينهما ليس إلَّا بالسبب فلذلك صحّ استعارة اسم أحدهما للآخر وباللَّه التوفيق . البحث الخامس قال المتكلَّمون : إنّ هذه الظواهر من القرآن وكلام عليّ عليه السّلام لمّا دلَّت على ما دلَّت عليه من كون الماء أصلا تكوّنت عنه السماوات والأرض وغير ذلك وثبت أنّ الترتيب المذكور في المخلوقات أمر ممكن في نفسه وثبت أنّ الباري تعالى فاعل مختار قادر على جميع الممكنات ثمّ لم يقم عندنا دليل عقليّ يمنع من أجزاء هذه الظواهر على ما دلَّت عليه بظاهرها وجب علينا القول بمقتضي تلك الظواهر ولا حاجة بنا إلى التأويل . لا يقال : إنّ جمهور المتكلَّمين يتّفقون على إثبات الجواهر الفرد وأنّ الأجسام مركَّبة عنه فبعضهم يقول : إنّ الجوهر كانت ثابتة في عدمها والفاعل المختار كساها صفة التأليف والوجود ، وبعضهم وإن منع ثبوتها في العدم إلَّا أنّه يقول : إنّ اللَّه تعالى يوجد أوّلا تلك الجواهر ثمّ يؤلَّف بينها فيوجد منها الأجسام فكيف يقال إنّ السماوات والأرض تكوّنت من الماء لأنّا نقول : هذا ظاهر لأنّه يجوز أن يخلق اللَّه تعالى أوّل الأجسام من تلك الجواهر ثمّ تكوّن باقي الأجسام عن الأجسام الأول ، وأمّا الحكماء فلمّا لم يكن الترتيب الَّذي اقتضته هذه الظواهر في تكوين الأجسام موافقا لمقتضي أدلَّتهم لتأخّر وجود العناصر عندهم عن وجود السماوات لا جرم عدل بعضهم إلى تأويلها توفيقا بينها وبين مقتضي أدلَّتهم وذكروا من التأويل وجهين : الوجه الأوّل - قالوا : العالم عالمان عالم يسمّى عالم الأمر وهو عالم الملائكة الروحانيّة والمجرّدات ، وعالم يسمّى عالم الخلق وهو عالم الجسمانيّة وعلى ذلك حملوا قوله تعالى « أَلا