والإحسان ماء بيان القرآن وعلومه على قلوب العباد لأنّ القلوب يستقرّ فيها أنوار علوم القرآن كما أنّ الأودية يستّقر فيها المياه النازلة من السماء وكما أنّ كلّ واد فإنّما يحصل فيه من مياه الأمطار ما يليق بسعته وضيقه فكذلك هاهنا كلّ قلب إنّما يحصل فيه أنوار علم القرآن ما يليق بذلك القلب من طهارته وخبثه وقوّة فهمه وبصره وتمام التشبيه في الآية مذكور في التفاسير ، وأمّا تشييه الأمر الأوّل بالريح العاصفة فلأنّ وقوعه لمّا كان دفعة غير منسوب إلى زمان يتوقّف عليه كان أنسب ما يشبه به من الأجسام في السرعة والنفوذ وهو الريح العاصف لكونها أسرع الأجسام حركة ولذلك أكَّدها بوصف العصف تقريرا للسرعة التامّة وما أمرنا إلَّا واحدة كلمح بالبصر وبوصف الزعزعه والقصف تحقيقا للقوّة العالية والشدّة الشديدة ، وأمّا أمره لها بردّه وتسليطها على شدّة فلأنّه لمّا صوّرها بصورة الريح ساغ أن يقال : إنّه أمرها وهو عبارة عن نسبة ذلك الأمر إلى ذاته تعالى النسبة الَّتي تحدثها عقولنا الضعيفة ، وفائدة الردّ والشدّ هاهنا ضبط أمره سبحانه على وفق حكمته الكمالات الفائضة عنه على كلّ مورد مورد بحسب نوعه المستلزم لردّه عمّن ليس له ذلك الكمال المعيّن ، وأمّا قرنها إلى حدّه فإشارة إلى إحاطة أمره سبحانه بما لتلك القوابل من الكمالات الفائضة واشتماله عليها ، وقوله الهواء من تحتها فتيق إشارة إلى قبول القوابل المذكورة ، والماء من فوقها دفيق إشارة إلى ما يحمله أمر اللَّه من الفيض المذكور ويلقيه على تلك القوابل وكلّ ذلك بترتيب عقليّ لأزمان تلحقه فيعقل فيه التراخي ، وأمّا الريح الثانية فأشار بها عليه السّلام إلى الأمر الثاني ووصفها باعتقام مهبّها إشارة إلى عقد ذلك الأمر وإيقاعه على وفق الحكمة الإلهيّة وإلى عدم مانع لجريان ذلك الأمر ، وبإدامة مربّها إلى إفاضة مقارّ ذلك الأمر فكأنّه شبّه الفيض الصادر بهذا الأمر على هيولى الأجسام الفلكيّة بالديمة الهاطلة على الأماكن الَّتي يجتمع بها ويقيم ، أو أراد أنّ المحالّ القابلة لذلك الأمر المستلزمة له ذاتيّة دائمة ، وأشار بعصف مجراها إلى سرعة ذلك الأمر كما وصف به الريح الأولى ، وببعد منشأها إلى عدم أوّليّة مبدؤه ، وبأمره لهذه الريح إلى نسبة ذلك الأمر إلى ذاته كما مرّ ، وبتصفيق الماء الزخّار وإثارة أمواج البحار إلى نسبة فيضان صور الأفلاك وكمالاتها إلى أمره سبحانه بواسطة تلك
شرح نهج البلاغة — صفحة 144
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٤٤