الكمالات الفعليّة للملائكة وأنّها غير مستقلَّة بإيجاد شيء بل على شرائط بعضها لبعض ولغيرها ، وبالبخار إلى تلك الملائكة وبمخضها له مخض السقاء وعصفها به كعصفها بالفضاء وترديد بعضه على بعض وإلى قوّة أمر اللَّه عليها وتصريفها على حسب علمه بنظام الكلّ وتقدير ما لكلّ فلك من الكمالات في ذات كلّ مبدء من تلك المباديء ، وقوله حتّى عبّ عبابه إشارة إلى بلوغ كمالات تلك الملائكة الحاصلة لها بالفعل عن أمر اللَّه إلى رتبة أن يعطى بواسطتها الفيض لغيرها ، وكذلك قوله ورمى بالزبد ركامه إشارة إلى إعطاء صور الأفلاك وكمالاتها بواسطتها ، ولمّا كانت صور الأفلاك محتاجة في قيامها في الوجود إلى الهيولى كانت نسبتها إلى الملائكة المجرّدة نسبة أخسّ إلى أشرف فبالحريّ أن أطلق عليها اسم الزبد ولأنّ هذه الصور حاصلة من تلك الكمالات العقليّة وفائضة عنها كما أنّ الزبد منفصل عن الماء ومكوّن عنه فتشابها ، وأمّا رفعه في أهواء منفتق وجوّ منفهق فإشارة إلى إلحاق صور الأفلاك بموادّها المستعدّة أو إلى تخصيص وجودات الأفلاك بأحيازها ورفعها إليها ، وقوله فسوّى عنه سبع سماوات إشارة إلى كمال الأفلاك بما هي عليه من الوضع والتعديل والترتيب ، وأمّا تخصيصه بالسبع فلأنّ الفلكين الباقيين في الشريعة معروفان باسمين آخرين وهما العرش والكرسيّ ، ثمّ قالوا : وإلى هذا أشار الحكماء السابقون أيضا فإنّ مرادتا ليس الملطي بالعنصر الأوّل هو المبدع الأوّل وكونه هو الماء لأنّ المبدع الأوّل واسطة في باقي الموجودات وفيه صورها وعنه تفاض كمالاتها كما أنّ بالماء قوام كلّ حيّ عنصريّ وبواسطته تكوّن وكذلك سرّ ما جاء في التوراة فإنّ المراد بالجوهر المخلوق للَّه أوّلا هو المبدع الأوّل وكونه تعالى نظر إليه نظر الهيبة ، وذوبان أجزائه إشارة إلى صدور الفيض عنه بأمر اللَّه سبحانه وقدرته ، والزبد الَّذي تكوّنت منه الأرض والدخان الَّذي تكوّنت منه السماوات إشارة إلى كمالات السماوات والأرض وصورها الصادرة عن كمالات عللها صدور البخار والزبد عن الماء وكلّ هذا تجوّزات واستعارات يلاحظ في تفاوت حسنها قرب المناسبة وبعدها .
الوجه الثاني
- قالوا : يحتمل أن يكون مراده بالريح الأولي هو العقل الأوّل فإنّه الحامل للفيض الإلهيّ إلى ما بعده وهو المحيط بصور الموجودات ، ويؤيّد ذلك قوله الهواء
شرح نهج البلاغة — صفحة 145
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٤٥