من تحتها فتيق والماء من فوقها دفيق فإنّ الهواء إشارة إلى القوابل بعده وبواسطته ، وبالماء إشارة إلى الفيض الصادر عن الأوّل سبحانه فإنّ التدفّق لمّا كان مستلزما لسرعة حركة الماء وجريانه عبر به عن الفيض الَّذي لا توقّف فيه ، والريح الثانية عن العقل الثاني فإنّه هو الواسطة في إفاضة أنوار اللَّه سبحانه على ما بعده من العقول الَّتي بواسطتها تصوّر السماوات السبع ، ووصف الريحين بالعصف والقصف إشارة إلى ما يخصّ هذين المبدئين من القدرة ، وأمره للريح الثانية بتصفيق الماء الزخّار وإثارة موج البحار إشارة إلى تحريك العقل الثاني للعقول الَّتي بعده إلى إفاضة كمالات الأفلاك بأمر اللَّه تعالى وباقي التأويل كما في التأويل الأوّل . قوله جعل سفلاهنّ مفوفا إلى قوله وسقف سائر ورقيم مائر . قوله جعل سفلاهنّ مفوفا إلى قوله وسقف سائر ورقيم مائر . أقول : هاهنا أبحاث . البحث الأوّل - هذا الكلام يجري مجرى الشرح والتفسير لقوله فسوّى لانّ التسوية عبارة عن التعديل والوضع والهيئة الَّتي عليها السماوات إنّما فيهنّ ، والغرض بهذا التفصيل تنبيه الأذهان الغافلة عن حكمة الصانع سبحانه في ملكوت السماوات وبدائع صنعه وضروب نعمه ليتذكَّروا نعمة ربّهم فيواظبوا على عبادته وحمده على تمام ذلك الإحسان كما قال تعالى « لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ » ( 1 ) فإنّ كلّ هذه نعم على العباد وهى إن كان فيها ما يبعد عن الأذهان الضعيفة كونه نعمة على العباد كحركات السماوات مثلا فإنّي أحسب أنّ كثيرا من الغافلين يقولون : وما فائدة حركة السماء في حقّنا لكنّه إذا انتبهت أذهانهم لذلك علمت أنّه لولا تلك الحركة لم يحصل شيء من المركَّبات في هذا العالم أصلا فلم يكن العبد في نفسه فضلا عمّا يجرى عليه من النعم الخارجة عنه إلَّا أنّ تلك الحركة قد تستلزم نعمة هي أقرب إلى العبد من غيرها كالاستضاءة بنور الكواكب والاهتداء بها في ظلمات البرّ والبحر وإعدادها الأبدان للصحّة ونحو ذلك ، وقد يستلزم نعما أخرى إلى أن يتّصل بالعبد كإعدادها الأرض مثلا لحصول المركَّبات الَّتي منها قوام حياة العبد ، واعلم أنّ اللَّه
شرح نهج البلاغة — صفحة 146
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٤٦
هامش
( 1 ) 43 - 12