تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
أوّلا وأضعف فلمّا صار بخارا سما العلوّ بجوهره ولطافته ولم يبلغ فلك زحل لعلَّة لطافته عمّا قبله فكان منه الفلك الثاني وهو فلك المشتري وهكذا بيّن في طلوع الدخان مرّة مرّة وتكون الأفلاك الخمسة الباقية عنه . فهذه الإشارات كلَّها متطابقة على أنّ الماء هو الأصل الَّذي تكوّنت عنه السماوات والأرض وذلك مطابق لكلامه عليه السّلام . البحث الثالث - قوله وأدام مربّها قال قطب الدين الراوندي : أي أدام جمع الريح للماء وتسويتها له . قلت : تقرير ذلك أنّ الماء لمّا كان مقرّ الريح الَّذي انتهت إليه وعملت في تحريكه كان ذلك هو مربَّها أي الموضع الَّذي لزمته وأقامت به ، فقوله وأدام مربّها أي أدام حركة الماء واضطرابه ، ومحتضه وهو محلّ إربابها ويحتمل أن يكون قد استعمل اسم الموضع استعمال المصدر ، والتقدير أدام إربابها أي ملازمتها لتحريك الماء وأيضا فيحتمل أن يكون قد شبّهها في كونها سببا للآثار الخيريّة وفي كثرتها وقوّتها بالديمة فكان محلَّها ومقرّها الَّذي تصل إليه وتقيم بها قد أدامه اللَّه أي سقاه اللَّه ديمة ، وقوله وأبعد منشأها قال : أي أبعد ارتفاعها قلت : المنشأ محلّ النشو وهو الموضع الَّذي أنشأها منه فلا يفهم منه الارتفاع اللهمّ إلَّا على تقدير استعماله لموضع الإنشاء استعمال المصدر أي بلغ بإنشائها غاية بعيدة ، والأقرب أنّه يشير إلى أنّها نشأت من مبدء بعيد ولا يمكن الوقوف على أوّله وهو قدرة الحقّ سبحانه وجوده ، وقوله وأمرها . قال - رحمه اللَّه - : أمر المؤكلَّين بها من الملائكة بضرب الماء بعضه بعضا وتحريكه كمحض اللبن للزبد وأطلق الأمر عليها مجازا لأنّ الحكيم لا يأمر الجماد . قلت : بل حمله على أمر الريح أولى لأنّ في التقدير الَّذي ذكره يكون التجوّز في لفظ الأمر لعدم القول المخصوص هناك فيحمل على قهر ملائكتها وفي نسبته إلى الريح أيضا مجاز إذا أريد ملائكتها أمّا إذا حملناه على ظاهره كان التجوّز في لفظ الأمر دون النسبة فكان أولى ، وقوله مخض السقاء وعصفها بالفضاء أي مثل مخض السقاء ومثل عصفها فحذف المضاف الَّذي هو صفة المصدر وأقام المضاف إليه مقامه فلذلك نصبه نصب المصادر ، واعلم أنّ اللام في قوله بتصفيق الماء للمعهود السابق في قوله ماء متلاطما لأنّ المائين واحد ، ومثل هذا التكرار جاز في الكلام الفصيح كقوله تعالى « كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ » فإن قلت : إنّ الأجواء والأرجاء وسكائك